الحكم الذاتي في المغرب… هل حان وقت الانتقال من مركزية التدبير إلى هندسة جديدة للدولة؟
لم تعد الإشكالية الكبرى التي تواجه الدولة المغربية اليوم مرتبطة بوحدة التراب أو بشرعية الكيان السياسي، فهذه الأسئلة حُسمت تاريخياً عبر مسار طويل من بناء الدولة وترسيخ استقرارها المؤسساتي. التحدي الحقيقي أصبح أكثر عمقاً وتعقيداً: كيف يمكن تدبير مجتمع متنوع ومجالات ترابية غير متكافئة بمنطق حكامة ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على مركزية القرار؟
خلال العقود الماضية، نجح المغرب في الحفاظ على تماسكه السياسي وتفادي سيناريوهات عدم الاستقرار التي عرفتها مناطق عديدة من محيطه الإقليمي. غير أن نجاح الدولة في ضمان الاستقرار لم يُنهِ التفاوتات المجالية والاجتماعية، بل كشف تدريجياً حدود النموذج المركزي في تدبير التنمية والخدمات العمومية. فالمسافة بين مركز القرار والواقع الترابي أصبحت في كثير من الأحيان عاملاً يبطئ الاستجابة لحاجيات المواطنين، ويُضعف الإحساس بفعالية السياسات العمومية.
في هذا السياق، يبرز النقاش حول الحكم الذاتي ليس فقط باعتباره ملفاً مرتبطاً بقضية سياسية أو جغرافية محددة، بل كمدخل محتمل لإعادة التفكير في نموذج الحكم داخل الدولة المغربية نفسها. فحصر الحكم الذاتي في بعده الترابي الضيق يجعله يبدو استثناءً سياسياً، بينما يمكن النظر إليه، من زاوية أخرى، كنقطة انطلاق لنقاش أوسع حول كيفية توزيع السلطة والمسؤولية داخل الدولة دون المساس بوحدتها أو سيادتها.
التجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي تواجه تفاوتات مجالية قوية غالباً ما تتجه نحو صيغ متقدمة من اللامركزية أو الفدرالية الوظيفية، ليس بهدف إضعاف المركز، بل لتخفيف عبء التدبير عنه وتحويله من جهاز إداري متدخل في التفاصيل اليومية إلى مؤسسة استراتيجية تُنسق وتضمن التوازن العام. في الحالة المغربية، يبدو هذا النقاش أكثر حساسية بحكم السياق السياسي والتاريخي، ما يفرض التعامل معه بمنطق تدريجي وواقعي بعيد عن الطروحات النظرية أو الشعاراتية.
فالدولة المركزية ستظل، بحكم طبيعتها، مسؤولة عن مجالات السيادة التي لا تقبل التجزئة: الدفاع، الأمن الاستراتيجي، السياسة الخارجية، النظام المالي والنقدي، والاختيارات الوطنية الكبرى. غير أن قطاعات مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين — كالصحة والتعليم والنقل والتخطيط الحضري والاستثمار المحلي — تبدو أكثر قابلية للتدبير الجهوي القريب من الواقع الاجتماعي والاقتصادي لكل منطقة.
نقل جزء من هذه الصلاحيات لا ينبغي أن يُفهم كتنازل عن السلطة، بل كإعادة توزيع عقلاني لها يربط القرار بالمحاسبة. فحين تصبح الجهة مسؤولة فعلياً عن نتائج سياساتها، يتحول المواطن من متلقٍّ سلبي للقرارات المركزية إلى فاعل قادر على تقييم الأداء ومساءلة المسؤولين محلياً، وهو عنصر أساسي في تجديد الثقة في المؤسسات.
غير أن أي توجه نحو توزيع أوسع للسلطة يظل محفوفاً بمخاطر حقيقية إذا لم يُرافق بعدالة مالية واضحة. فالمغرب بلد يعرف تفاوتات بنيوية بين جهاته، وأي نموذج يمنح استقلالاً مالياً كاملاً دون آليات تضامن وطني قد يؤدي إلى تعميق الفوارق بدل تقليصها. لذلك يبقى نجاح أي إصلاح ترابي مشروطاً بوجود نظام تضامني وطني يضمن تكافؤ الفرص بين المجالات الغنية والأخرى الهشة.
كما أن توسيع صلاحيات الجهات يستوجب، في المقابل، تعزيز آليات الرقابة والشفافية. فاللامركزية لا يمكن أن تتحول إلى نقل للاختلالات من المركز إلى المستوى المحلي. الحكامة الجهوية الفعالة تقتضي مؤسسات رقابية قوية، وقضاء مالياً مستقلاً، وشفافية في تدبير الموارد العمومية، إضافة إلى إشراك المواطنين في اتخاذ القرار عبر آليات المشاركة المحلية.
الرهان في النهاية ليس تقنياً فقط، بل سياسي ومجتمعي في العمق. فالمغرب يقف اليوم أمام مرحلة تتطلب الانتقال من دولة تُدير التنمية مركزياً إلى دولة تُنسقها وتضمن عدالتها ترابياً. هذا التحول، إن تم بشكل تدريجي ومتوازن، قد يسمح بتخفيف الاحتقان الاجتماعي، وتعزيز الفعالية الاقتصادية، وإعادة بناء علاقة أكثر ثقة بين المواطن والمؤسسات.
الحكم الذاتي، في هذا المنظور، لا يبدو نهاية مسار سياسي بقدر ما يمكن أن يشكل بداية تفكير هادئ في تحديث وظيفة الدولة نفسها. ليس باعتباره تهديداً للوحدة الوطنية، بل كإحدى الأدوات الممكنة لتعزيزها على المدى الطويل، عبر توزيع عادل للسلطة يجعل الدولة أقرب إلى مواطنيها وأكثر قدرة على مواجهة رهانات المستقبل.
حمدون القراص


