حين يشتغل الحزب كامتداد للدولة: تفكيك منطق القيادة داخل “الأحرار”

ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار لا يمكن فهمه فقط باعتباره إعادة ترتيب داخلية أو انتقالًا تنظيميًا عاديا، بل هو تعبير واضح عن منطق سياسي أعمق: منطق “حزب الدولة”. منطق لا تُدار فيه الأحزاب بوصفها فضاءات للتعدد والتنافس، بل كأدوات للضبط، وإعادة إنتاج السلطة، وتأمين الاستمرارية بأقل كلفة سياسية ممكنة.
ترشيح محمد شوكي لخلافة عزيز أخنوش لم يأتِ نتيجة نقاش داخلي مفتوح، ولا ثمرة صراع برامج أو رؤى، بل بدا منذ البداية مسارًا مُغلقًا، محكومًا بمنطق التزكية والضمانات. هذا الأسلوب في تدبير القيادة لا يعكس قوة تنظيمية، بل خوفًا من المجهول، ورغبة في التحكم في نتائج المؤتمر قبل انعقاده.
في الأحزاب الطبيعية، يُفترض أن يكون المؤتمر لحظة سيادة للمناضلين، ولحظة مساءلة للقيادة، وفرصة لتجديد النخب. أما في منطق “حزب الدولة”، فالمؤتمر يتحول إلى إجراء شكلي لتكريس اختيار مسبق، تُحدد معالمه خارج القواعد، ويُسوَّق داخليًا باعتباره “إجماعًا”.
الحضور المكثف لشخصيات وازنة من خارج دائرة الترشيح، وعلى رأسها رشيد الطالبي العلمي، لا يمكن فصله عن هذا المنطق. فالرجل، الذي يُقدَّم كـ”حكيم التنظيم”، يلعب عمليًا دور صمام الأمان بين الحزب ومراكز القرار. وجوده إلى جانب المرشح لا يمنحه فقط الشرعية التنظيمية، بل يطمئن الدولة إلى أن الحزب سيظل في المسار نفسه، دون مفاجآت أو انزلاقات.
في المقابل، يُقصى كل صوت يُظهر رغبة في كسر هذا المنطق. تجربة محمد أوجار تُعد نموذجًا دالًا. فمجرد التعبير عن اختلالات بنيوية في علاقة الأحزاب بالإدارة الترابية، وعن ضيق هامش القرار السياسي، كان كافيًا لإخراجه من دائرة القبول. في “حزب الدولة”، النقد لا يُكافأ، بل يُعاقَب، لأنه يُربك وظيفة الحزب كوسيط مطيع بين السلطة والمجتمع.
الخطاب الذي يُروَّج اليوم تحت عنوان “الاستمرارية” ليس بريئًا. فالاستمرارية هنا لا تعني استمرارية المشروع السياسي، بل استمرارية النفوذ والمصالح. لا حديث عن تقييم حصيلة الحكومة، ولا عن مراجعة الخيارات التي أرهقت الطبقات الوسطى والشعبية، ولا عن ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الحزب نفسه. كل ما في الأمر هو البحث عن واجهة جديدة تحمي المسار القديم.
الأكثر إشكالية في هذا السيناريو هو قلب معادلة المسؤولية. فاحتمال أن يصبح للحزب رئيس جديد بينما يحتفظ أخنوش برئاسة الحكومة يُنتج وضعًا سياسيا مشوهًا، حيث يُفرغ المنصب الحزبي من دوره القيادي الحقيقي، ويُفرغ المنصب الحكومي من محاسبة حزبية فعلية. في هذه الحالة، من يُحاسَب؟ ومن يقرر؟ ومن يتحمل الكلفة السياسية للفشل؟
هذا الوضع ليس تفصيلاً تقنيًا، بل جوهر منطق “حزب الدولة”: حزب قوي انتخابيًا، ضعيف سياسيًا. حزب قادر على الفوز، عاجز عن التجديد. حزب يملك السلطة، لكنه لا يملك نقاشًا داخليًا حرًا. وحين تصل الأحزاب إلى هذه المرحلة، فإنها تتحول من فاعل سياسي إلى أداة تدبير.
الجدل المحيط باسم محمد شوكي، سواء تعلق بالشبهات المتداولة أو بحداثة تجربته الحزبية، يزيد من حدة هذا الإشكال. فبدل اعتماد مبدأ التحفظ السياسي إلى حين اتضاح الصورة، يُدفع بالمرشح إلى الواجهة، وكأن الرسالة هي أن الولاء والضمان أهم من الصورة العامة والمصداقية.
في العمق، لا يتعلق الأمر بشوكي كشخص، بل بالنموذج الذي يمثله. نموذج القيادة المصنوعة، لا المنتخبة. نموذج الحزب الذي يُدار من الأعلى، لا من القواعد. نموذج السياسة التي تُفرغ من معناها التمثيلي، وتُختزل في إدارة التوازنات.
حزب التجمع الوطني للأحرار ليس استثناءً في هذا المسار، لكنه اليوم المثال الأوضح عليه. وإذا استمر هذا المنطق، فإن النتيجة لن تكون فقط أزمة داخل حزب واحد، بل تعميق أزمة الثقة في العمل الحزبي ككل، وتكريس الإحساس بأن السياسة لم تعد مجالًا للاختيار، بل مجرد واجهة لقرارات تُتخذ في مكان آخر.
المؤتمر المقبل، إذن، ليس مجرد محطة تنظيمية، بل اختبار حقيقي:
إما أن يُثبت الحزب أنه قادر على كسر منطق “حزب الدولة” ولو جزئيًا،
أو يؤكد، مرة أخرى، أن السياسة في المغرب ما تزال تُدار بمنطق الضبط لا التمثيل،
والاستمرارية لا المحاسبة.
حمدون القراص

