عين على السياسة

صمت المجالس المنتخبة… حين تختفي السياسة من داخل المؤسسات

جاري التحميل...
/

في الوقت الذي تعيش فيه الساحة السياسية المغربية على وقع نقاشات متفرقة حول قضايا اجتماعية واقتصادية ضاغطة، يلاحظ متتبعون نوعاً من الصمت داخل عدد من المجالس المنتخبة، سواء على مستوى الجماعات أو الجهات. هذا الصمت لا يظهر في الخطابات الرسمية، بل في غياب النقاش الحقيقي، وندرة المبادرات السياسية التي تلامس انشغالات المواطنين بشكل مباشر.

الاجتماعات تُعقد، والنقاط تُدرج في جداول الأعمال، والتصويت يتم في كثير من الأحيان بشكل روتيني، لكن دون نقاش عميق يعكس اختلاف الرؤى أو يقدم حلولاً مبتكرة. وكأن العمل السياسي داخل هذه المؤسسات تحول تدريجياً إلى تدبير إداري أكثر منه ممارسة سياسية حقيقية.

هذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت المجالس المنتخبة تقوم بدورها كفضاء للنقاش العمومي، أم أنها أصبحت مجرد هياكل لتصريف القرارات؟

في بعض الحالات، يلاحظ أن النقاش يتم خارج المؤسسات، في وسائل التواصل الاجتماعي أو في التصريحات الإعلامية، بينما تبقى الجلسات الرسمية باهتة، تخلو من التفاعل الحقيقي. وهذا مفارقة لافتة، لأن الأصل أن تكون المؤسسات هي المكان الطبيعي للنقاش، لا العكس.

الأسباب متعددة. هناك من يتحدث عن ضعف التكوين السياسي لدى بعض المنتخبين، وهناك من يشير إلى هيمنة منطق التوافق المسبق الذي يُفرغ النقاش من محتواه. كما أن الانتماء الحزبي، بدل أن يكون مصدر تنوع في الرؤى، يتحول أحياناً إلى عامل يحد من الجرأة في طرح الاختلاف.

لكن النتيجة واحدة: تراجع الحيوية السياسية داخل المؤسسات.

هذا التراجع لا يمر دون أثر. لأن المواطن، حين لا يرى نقاشاً يعكس قضاياه، يفقد تدريجياً الاهتمام بما يجري داخل هذه المجالس. وهنا يتحول العزوف السياسي من مجرد ظاهرة انتخابية إلى سلوك يومي، مبني على الإحساس بأن القرارات تُتخذ بعيداً عن النقاش الحقيقي.

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود تجارب إيجابية هنا وهناك، حيث تعرف بعض المجالس نقاشاً حقيقياً ومبادرات ملموسة. لكن هذه الحالات تبقى محدودة، ولا تشكل بعد قاعدة عامة.

المطلوب اليوم ليس فقط تفعيل أدوار المجالس قانونياً، بل إعادة الاعتبار للنقاش السياسي داخلها. لأن السياسة، في جوهرها، ليست توافقاً دائماً، بل هي إدارة للاختلاف بشكل مؤسساتي.

وحين يختفي الاختلاف، أو يتم تهميشه، لا يعني ذلك أن المشاكل اختفت، بل يعني أنها لم تعد تجد طريقها إلى النقاش العلني.

في النهاية، المؤسسات القوية لا تُقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على احتضان النقاش، وعلى تحويل الاختلاف إلى قوة اقتراحية.
أما حين يسود الصمت… فذلك ليس دليلاً على الاستقرار، بل قد يكون مؤشراً على غياب السياسة نفسها من داخل السياسة.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...