لبنان بين نار الحرب وانهيار الهامش الإنساني

في أقل من أسبوعين فقط، تحولت الأرقام في لبنان من مجرد معطيات إخبارية إلى مؤشرات صادمة على حجم المأساة الإنسانية التي تتسع بسرعة غير مسبوقة. ارتفاع عدد القتلى إلى 850 شخصاً، بينهم أكثر من مائة طفل، ليس مجرد رقم إضافي في نشرات الأخبار، بل يعكس تصاعداً خطيراً في طبيعة الحرب وحدّتها، ويؤكد أن هذا الصراع تجاوز مرحلة المواجهات المحدودة إلى واقع مفتوح على كل الاحتمالات.
المقلق في هذه الحصيلة ليس فقط ارتفاع عدد الضحايا، بل نوعيتهم أيضاً. فحين يصبح الأطفال ضمن قائمة القتلى بهذا الحجم، وحين يُقتل مسعفون أثناء أداء مهامهم، فإن ذلك يعني أن قواعد الاشتباك التقليدية لم تعد قائمة، وأن الفضاء الإنساني نفسه لم يعد محمياً كما يفترض أن يكون وفق القوانين الدولية. هذه التحولات لا تشير فقط إلى قسوة الحرب، بل إلى تآكل الحدود التي كانت تفصل بين العسكري والمدني، بين الجبهة والخلفية، وبين الصراع والكارثة.
لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من أزماته الاقتصادية والمالية الخانقة، يجد نفسه اليوم في قلب حرب تضرب ما تبقى من بنيته الهشة. فالبنية التحتية التي تعاني أصلاً من الإهمال والانهيار، تتعرض الآن لضغط إضافي نتيجة القصف والنزوح الداخلي، ما يجعل قدرة الدولة على الاستجابة محدودة جداً. المستشفيات، التي تعاني نقصاً في الموارد، تجد نفسها أمام أعداد متزايدة من الجرحى، في وقت تتراجع فيه الإمكانيات الطبية واللوجستيكية بشكل خطير.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث ميدانياً عن السياق الإقليمي الأوسع. فالتصعيد بين إسرائيل وحزب الله لا يجري في فراغ، بل يتداخل مع شبكة من التوترات التي تشمل أكثر من ساحة في الشرق الأوسط. وهذا ما يجعل الحرب في لبنان جزءاً من معادلة أكبر، حيث تتحول الجبهات إلى أوراق ضغط متبادلة بين أطراف متعددة، تتجاوز حدود البلد نفسه. وبالتالي، فإن وقف التصعيد لا يرتبط فقط بإرادة محلية، بل بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
اللافت أيضاً أن وتيرة التصعيد تشير إلى أن الأمور قد تنزلق نحو مرحلة أكثر خطورة إذا لم يتم احتواؤها سريعاً. فكلما ارتفع عدد الضحايا، تزداد الضغوط الداخلية على مختلف الأطراف، وتتعزز احتمالات اتخاذ قرارات أكثر حدة، سواء من الجانب العسكري أو السياسي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الحروب في هذه المنطقة نادراً ما تبقى ضمن حدود يمكن التحكم فيها، وغالباً ما تتوسع بشكل غير متوقع.
من جهة أخرى، فإن المشهد الإنساني في لبنان يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً حول فعالية المجتمع الدولي في التعامل مع مثل هذه الأزمات. فالإدانات والبيانات لم تعد كافية أمام حجم الدمار والخسائر البشرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين. ومع كل تصعيد جديد، يتآكل ما تبقى من الثقة في قدرة المنظومة الدولية على فرض حد أدنى من الحماية في مناطق النزاع.
الأثر النفسي لهذه الحرب لا يقل خطورة عن خسائرها المباشرة. فالمجتمع اللبناني، الذي عاش سنوات طويلة من الأزمات، يجد نفسه مرة أخرى أمام تجربة جماعية من الخوف وعدم اليقين. الأطفال الذين يفترض أن يكونوا في المدارس، يعيشون الآن تحت وقع القصف، والأسر التي بالكاد استطاعت التكيف مع الوضع الاقتصادي، تجد نفسها أمام تهديد جديد يطال أمنها اليومي.
في النهاية، لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الصراعات التي تستنزف المنطقة منذ عقود. والرهان اليوم لم يعد فقط على وقف إطلاق النار، بل على القدرة على منع الانزلاق نحو سيناريو أوسع قد تكون كلفته أكبر بكثير من الأرقام التي نراها اليوم. فلبنان، في وضعه الحالي، لا يحتمل حرباً طويلة، والمنطقة برمتها تقف على حافة مرحلة قد تعيد رسم ملامحها بشكل جذري.

