بغداد تحت الضغط: حين تتحول الساحات الهامشية إلى قلب الصراع

الهجوم الذي استهدف مجمع مطار بغداد الدولي لا يمكن قراءته كحادث أمني معزول، بل هو حلقة جديدة في سلسلة تمدد الصراع الإقليمي إلى ساحات كانت تُعتبر، إلى وقت قريب، مناطق خلفية أو أقل اشتعالاً. إصابة خمسة أشخاص قد تبدو حصيلة محدودة مقارنة بما يجري في جبهات أخرى، لكن دلالات العملية تتجاوز الأرقام بكثير، لأنها تكشف أن دائرة المواجهة آخذة في الاتساع، وأن العراق يعود تدريجياً إلى موقعه التقليدي كساحة تقاطع للصراعات.
استهداف مطار بغداد ليس اختياراً عشوائياً. فالمطار يمثل نقطة استراتيجية تجمع بين البعد المدني والعسكري، ويحتضن في محيطه وجوداً لوجستياً مرتبطاً بالسفارة الأمريكية، وهو ما يمنحه رمزية عالية في سياق الرسائل المتبادلة بين الأطراف المتصارعة. حين يتم قصف هذا الفضاء، فإن الرسالة لا تتوجه فقط إلى الداخل العراقي، بل إلى الفاعلين الدوليين أيضاً، في إشارة واضحة إلى أن خطوط الاشتباك لم تعد محصورة في مناطق محددة.
اللافت في هذا الهجوم هو طبيعة الوسائل المستخدمة، التي تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يعكس تطوراً في أساليب المواجهة. هذه الأدوات لم تعد حكراً على الجيوش النظامية، بل أصبحت جزءاً من ترسانة الفاعلين غير الدوليين، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويجعل من الصعب احتواء التهديدات بالوسائل التقليدية. القدرة على إطلاق هجوم مركب من هذا النوع تشير إلى مستوى من التنظيم والتخطيط يتجاوز العمليات العفوية.
في المقابل، إعلان السلطات العراقية عن ضبط منصة الإطلاق يندرج ضمن محاولة إظهار السيطرة على الوضع، لكنه لا يلغي حقيقة أن مثل هذه العمليات ما زالت ممكنة في قلب العاصمة. وهذا يعيد طرح سؤال قديم جديد حول هشاشة الوضع الأمني في العراق، رغم الجهود المبذولة منذ سنوات لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار. فكلما اشتد التوتر الإقليمي، تظهر هذه الهشاشة بشكل أوضح، ويصبح العراق مرة أخرى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
الأخطر من ذلك أن تكرار مثل هذه الهجمات قد يدفع نحو تصعيد متدرج يصعب التحكم فيه. فكل ضربة، حتى وإن كانت محدودة، تفتح الباب أمام ردود فعل قد تكون أكثر حدة، وهو ما يخلق دينامية تصعيدية يصعب كسرها. وفي منطقة تعيش أصلاً على وقع توترات متعددة، فإن أي انزلاق إضافي قد يؤدي إلى توسع رقعة الصراع بشكل غير متوقع.
من زاوية أخرى، يعكس هذا الهجوم تحولاً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد الجبهات واضحة أو محددة، بل أصبحت ممتدة ومتداخلة. فالحرب لم تعد فقط بين جيوش في خطوط مواجهة تقليدية، بل تحولت إلى شبكة من العمليات المتفرقة التي تستهدف نقاطاً حساسة بهدف إرباك الخصم وإرسال رسائل سياسية وعسكرية في آن واحد. وهذا ما يجعل قراءة هذه الأحداث تتطلب فهماً أوسع للسياق، بعيداً عن الاقتصار على تفاصيل العملية نفسها.
على المستوى الإقليمي، يندرج ما حدث في بغداد ضمن مسار تصعيدي أوسع يشمل أكثر من ساحة، من لبنان إلى الخليج، مروراً بالعراق. هذا التداخل بين الجبهات يجعل من الصعب عزل كل حادثة عن الأخرى، لأن كل تطور في مكان معين قد يكون له انعكاس مباشر أو غير مباشر في مكان آخر. وبالتالي، فإن استقرار العراق يصبح مرتبطاً بشكل وثيق بمسار التوترات في المنطقة ككل.
أما على المستوى الدولي، فإن مثل هذه الهجمات تعيد إلى الواجهة المخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع قد تشمل أطرافاً متعددة. وجود مصالح أمريكية في المنطقة، وتعرضها لهجمات، يضع واشنطن أمام خيارات صعبة بين التصعيد أو الاحتواء، وكل خيار يحمل في طياته مخاطر مختلفة. وهذا ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التهدئة.
في النهاية، ما جرى في مطار بغداد ليس مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر على مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بتعدد الجبهات وتداخلها، وباستخدام أدوات أكثر تطوراً وأقل قابلية للضبط. وبين محاولات احتواء الوضع وخطر الانزلاق نحو تصعيد أكبر، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المنطقة على تجنب سيناريوهات أكثر تعقيداً، في وقت يبدو فيه أن التوتر أصبح القاعدة، والاستقرار هو الاستثناء.

