الحروب والنزاعات

ترامب يرفض “حرب الاستنزاف” مع إيران.. لكن خيار التدخل البري حول المواد النووية يثير القلق

جاري التحميل...
/

في خضم التصعيد العسكري المتواصل مع إيران، تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال رسالتين في الوقت نفسه: الأولى أنها لا تريد الانزلاق إلى حرب طويلة ومفتوحة في الشرق الأوسط، والثانية أنها لن تتراجع عن هدف منع طهران من الاحتفاظ بقدرة نووية حساسة. وبين هذين الخطين، يبرز سؤال ثقيل: هل يمكن أن يتحول ملف المواد النووية الإيرانية إلى مبرر لعملية برية أمريكية محدودة أو أوسع؟

المعطيات المتداولة في واشنطن خلال الساعات الأخيرة توحي بأن النقاش لم يعد محصورا في الضربات الجوية أو الردع السياسي، بل امتد إلى سيناريوهات أكثر تعقيدا تتعلق بكيفية التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب والمنشآت المدفونة والممرات المحصنة. وفي هذا السياق، بدا نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس حريصا على طمأنة الداخل الأمريكي، حين أكد أن ترامب لا يسعى إلى “حرب تستمر لسنوات”، في انسجام مع خطابه السابق الرافض لما يسميه الأمريكيون “الحروب التي لا تنتهي”.

لكن المشكلة أن الحرب القصيرة في الخطاب السياسي ليست دائما قصيرة في الواقع العسكري. فحين يتعلق الأمر ببرنامج نووي واسع، موزع على منشآت متعددة، وتحيط به بنية تحتية معقدة وطبقات من التحصين والتمويه، فإن منطق “الحسم السريع” يصبح أكثر صعوبة. المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أوضح بدوره أن البرنامج الإيراني بُني على مدى عقود، وأن وضع بعض المواقع، مثل المنشأة الجديدة في أصفهان، لا يزال غير محسوم لدى الوكالة بسبب تعذر التفتيش بعد الحرب.

هنا بالضبط يتصاعد الجدل حول خيار إرسال قوات أمريكية للسيطرة على المواد النووية أو تأمينها. هذا السيناريو، حتى لو ظل في مستوى النقاش ولم يتحول إلى قرار نهائي، يحمل مخاطر استراتيجية هائلة. لأن أي تحرك بري داخل إيران، ولو تحت عنوان “تأمين مواد نووية”، لن يُقرأ إيرانيا كعملية تقنية محدودة، بل كاختراق سيادي مباشر قد يفتح الباب أمام ردود غير متوقعة، سواء عبر الأذرع الإقليمية أو عبر تهديد الملاحة والطاقة في الخليج.

الأخطر من ذلك أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها أوضحت أنها ليست جهة يمكن أن تشارك في عملية عسكرية من هذا النوع، لأن ولايتها قائمة على الرقابة السلمية والتعاون، لا على مرافقة الجيوش أو شرعنة الاستيلاء القسري على المواد النووية. وهذا يعني أن أي عملية أمريكية محتملة ستتحمل وحدها الكلفة السياسية والقانونية واللوجستية، دون غطاء تقني أممي مباشر من الوكالة.

من زاوية عسكرية، يبدو أن واشنطن تنظر أيضا إلى واقع ميداني تعتبر فيه أن القدرات الإيرانية التقليدية تعرضت لتآكل كبير، لكن ذلك لا يعني أن المخاطر انتهت. فحتى في حال تراجع القوة الجوية أو البحرية الإيرانية، يبقى لدى طهران هامش واسع للمناورة غير المتماثلة، من الألغام البحرية إلى الاستنزاف البحري، مرورا بتوسيع رقعة الرد عبر حلفائها الإقليميين. ولهذا فإن أي تفكير في إرسال قوات على الأرض لا ينفصل عن سؤال آخر أكثر إزعاجا: هل تملك واشنطن بالفعل خطة خروج واضحة إذا بدأت المهمة المحدودة تتحول إلى اشتباك أوسع؟

كما أن الملف النووي نفسه لا يبدو بسيطا من حيث الحسم النهائي. تقارير حديثة تشير إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تزال غير قادرة على الجزم الكامل بوضع بعض المواد والمنشآت، وأن جزءا من الصورة سيظل غامضا إلى حين استئناف التفتيش والوصول الميداني. وهذا ما يعزز أطروحة تقول إن العمل العسكري قد يعطل البرنامج أو يربكه، لكنه لا يقدم بالضرورة ضمانة نهائية لإنهائه سياسيا وتقنيا.

لذلك، فإن إدارة ترامب تبدو اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: لا تريد حربا طويلة، لكنها في الوقت نفسه تريد نتائج حاسمة. غير أن التاريخ القريب في الشرق الأوسط يثبت أن الفجوة بين الهدفين قد تكون واسعة جدا. فكلما اقتربت الجيوش من الأرض، ابتعدت الوعود بالحسم السريع.

في المحصلة، قد يكون الخيار الأكثر واقعية لواشنطن هو الاستمرار في الضغط العسكري المحدود، مقرونا بمحاولة العودة لاحقا إلى تفاوض بشروط أقسى، بدل المغامرة بعملية برية قد تبدأ تحت عنوان “السيطرة على المواد النووية” وتنتهي في قلب حرب استنزاف جديدة لا يريدها ترامب في خطابه، لكنها قد تفرض نفسها على الأرض.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...