الحروب والنزاعات

الرضوض الدماغية تعود إلى واجهة الحرب: الثمن الخفي الذي تدفعه القوات الأمريكية في مواجهة إيران

جاري التحميل...
/

المدينة العربية: وكالات

لا تُقاس الحروب بعدد القتلى فقط. ولا تختصرها صور الدمار الظاهر. فالحروب تترك أيضا إصابات صامتة تمتد لسنوات. وهذا ما تكشفه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع الارتفاع اللافت في حالات الرضوض الدماغية بين الجنود الأمريكيين.

ونقلت تقارير إعلامية عن مسؤول أمريكي أن 232 جنديا أصيبوا منذ اندلاع الحرب. وقالت التقارير إن 140 منهم على الأقل يعانون من رضوض دماغية، بينما عاد 207 إلى الخدمة، وصُنّفت 10 إصابات ضمن الفئة الخطيرة.

تكمن خطورة هذه الأرقام في طبيعة الإصابة نفسها. فالرضوض الدماغية لا تظهر دائما بوضوح في بدايتها. لكن آثارها قد ترافق المصاب سنوات طويلة. وقد تلازمه مدى الحياة في بعض الحالات.

وتشمل الأعراض الصداع المزمن، والدوار، واضطراب التوازن، وضعف التركيز، ومشاكل الذاكرة. وهذه الأعراض لا تبقى تفاصيل طبية بسيطة، بل قد تغيّر حياة الجندي اليومية وتؤثر في قدرته على العمل واتخاذ القرار.

كما تشير بيانات وزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية إلى أن المصابين بهذه الرضوض يواجهون خطرا أعلى من غيرهم في ما يتعلق بالأفكار والسلوكيات الانتحارية.

تعكس هذه الإصابات تحولا واضحا في طبيعة الحروب الحديثة. فالجندي لا يحتاج اليوم إلى إصابة مباشرة بالشظايا أو الرصاص حتى يتضرر. الموجات الانفجارية وحدها قد تكفي لإحداث أضرار عصبية معقدة.

وبحسب الروايات الأمريكية، اعتمدت إيران على طائرات مسيّرة هجومية وصواريخ تحدث موجات انفجارية ارتدادية قوية. وهذه الموجات تضرب الجسم والدماغ حتى عندما ينجو الجندي ظاهريا من الانفجار.

لهذا يشبه بعض المسؤولين هذا النمط بما عرفته الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، حين أصبحت إصابات الدماغ الرضّية من أكثر الإصابات شيوعا بين العسكريين الأمريكيين.

جنود من الجيش الأمريكي

تبدو عودة 207 جنود إلى الخدمة رقما مطمئنا في الظاهر. لكن هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن هؤلاء تعافوا بالكامل. فالرضوض الدماغية لا تنتهي دائما بخروج المصاب من المستشفى أو برجوعه إلى موقعه.

كثير من الجنود يواصلون العيش مع الصداع، واضطراب الذاكرة، وصعوبة التركيز، والتعب العصبي. أي إن الحرب لا تنتهي بالنسبة إليهم مع توقف الهجوم، بل تبدأ في شكل آخر داخل الجسد والوعي والحياة اليومية.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية. فالإصابة التي تبدو غير قاتلة قد تترك آثارا أعمق من بعض الجروح الظاهرة، لأنها تضرب الوظائف الذهنية والنفسية التي يقوم عليها التوازن الشخصي والمهني للمصاب.

لا تقف كلفة هذه الإصابات عند المؤسسة العسكرية. فكل جندي يعود بإصابة دماغية يعود أيضا إلى أسرته وإلى النظام الصحي وإلى مجتمع سيُطلب منه استيعاب آثار الحرب.

هذا يعني أن الرضوض الدماغية ليست ملفا طبيا فقط. إنها قضية اجتماعية واقتصادية أيضا. فالعلاج طويل، والدعم النفسي ضروري، وآثار الإصابة قد تمتد إلى العمل والعلاقات الأسرية والاستقرار النفسي.

ومن هنا، تفضح هذه المعطيات وهما سياسيا متكررا: وهم الحرب السريعة والنظيفة. فحتى حين لا ترتفع أعداد القتلى بشكل كبير، تظل الحرب قادرة على إنتاج خسائر بشرية عميقة، لكنها أقل ظهورا في العناوين.

ارتفاع إصابات الرضوض الدماغية بين الجنود الأمريكيين ليس مجرد تفصيل عسكري عابر. إنه مؤشر واضح على أن الحروب الحديثة، مهما بدت تقنية ومضبوطة، تترك جروحا طويلة الأمد.

فالحرب لا تضرب الجسد وحده.
إنها تضرب الذاكرة أيضا، والانتباه، والقرار، والحياة نفسها.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...