67 ألف طلب دعم في قطاع النقل.. هل يخفف الدعم العمومي الأزمة أم يؤجل إصلاحًا مؤجلًا؟

مرة أخرى، تعيد الأرقام الرسمية فتح ملف النقل الطرقي في المغرب، ليس فقط باعتباره قطاعًا حيويًا ينقل الأشخاص والبضائع، بل أيضًا باعتباره قطاعًا بات يعيش، في محطات كثيرة، على إيقاع الدعم العمومي أكثر مما يعيش على وقع إصلاح حقيقي يعالج أعطابه البنيوية.
فإلى حدود يوم الأربعاء، بلغ عدد طلبات الاستفادة من الدعم الاستثنائي المخصص لمهنيي النقل الطرقي للبضائع والأشخاص ما مجموعه 67 ألفًا و951 طلبًا، شملت 95 ألفًا و660 مركبة. وهي أرقام تعكس اتساع دائرة الاعتماد على هذا الدعم، وتطرح في الآن نفسه سؤالًا واضحًا: هل نحن أمام سياسة مواكبة ظرفية، أم أمام آلية صارت تعوض غياب الحلول العميقة؟
المعطيات المتوفرة تظهر أن نقل البضائع لحساب الغير تصدر من حيث عدد المركبات المعنية، بعدما سجل 19 ألفًا و871 طلبًا شملت 45 ألفًا و515 مركبة. وهذا ليس تفصيلًا تقنيًا فقط، بل مؤشر على أن هذا النشاط ما يزال يشكل العمود الفقري للحركية الاقتصادية، بحكم ارتباطه المباشر بسلاسل التوريد والأسعار وكلفة المعيشة.
في المقابل، حضرت سيارات الأجرة بقوة ضمن الطلبات المسجلة. فقد بلغ عدد طلبات سيارات الأجرة من الصنف الأول 28 ألفًا و526 طلبًا، وهو نفس عدد المركبات المعنية، فيما سجل الصنف الثاني 17 ألفًا و425 طلبًا بعدد مماثل من العربات. هذا التطابق يعكس وضوح البنية المهنية في هذا القطاع، لكنه يكشف أيضًا أن آلاف المهنيين لم يعودوا قادرين على مواجهة ارتفاع التكاليف دون سند عمومي مباشر.
أما باقي الأنشطة، فقد جاءت بأرقام أقل. النقل الجماعي للمسافرين بين المدن سجل 172 طلبًا تخص 432 مركبة، فيما بلغ عدد طلبات النقل السياحي 92 طلبًا شملت 437 مركبة. كما تم تسجيل 646 طلبًا في النقل المزدوج، و842 طلبًا في نقل المستخدمين لحساب الغير همّت 1807 مركبات، إلى جانب 322 طلبًا لعربات القطر تهم 771 مركبة، و55 طلبًا في النقل المدرسي لحساب الغير شملت 101 مركبة.
في ظاهرها، تبدو هذه الأرقام مجرد توزيع إداري للطلبات حسب الأنشطة. لكن في العمق، هي ترسم خريطة قطاع يتحرك تحت الضغط. فالدعم يذهب أساسًا إلى القطاعات الأكثر انتشارًا والأكثر التصاقًا بالدورة الاقتصادية اليومية، بينما يظهر حضور محدود لأنشطة أخرى، إما بسبب ضيق حجمها داخل السوق، أو بفعل هشاشة شروط الولوج، أو نتيجة ضعف مردوديتها في ظرفية اقتصادية صعبة.
وعلى المستوى الجغرافي، تكشف المعطيات عن تمركز واضح للطلبات في جهات الدار البيضاء-سطات، ومراكش-آسفي، والرباط-سلا-القنيطرة، وسوس-ماسة، التي استحوذت مجتمعة على نحو 60 في المائة من إجمالي الطلبات. أما في قطاع سيارات الأجرة، فقد تصدرت جهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وفاس-مكناس، وطنجة-تطوان-الحسيمة، بما يفوق 67 في المائة من مجموع الطلبات.
هذا التمركز لا يبدو مفاجئًا، لأن الطلب على النقل يرتفع بطبيعة الحال حيث تتركز الكثافة السكانية والنشاط الاقتصادي. لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل يعكس هذا التوزيع حجم الحاجة الفعلية، أم أنه يعيد إنتاج الفوارق المجالية نفسها، بحيث تستفيد الجهات الأكثر دينامية أكثر، بينما تبقى المناطق الأضعف في الهامش؟
هنا بالضبط تتجاوز القضية مجرد أرقام. لأن الدعم الاستثنائي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن الإصلاح. فالقطاع يواجه منذ سنوات اختلالات بنيوية واضحة، من ارتفاع كلفة المحروقات، إلى تهالك جزء من الأسطول، مرورًا بتفاوت التنظيم بين الأنشطة، وضعف الحماية الاجتماعية لعدد من المهنيين، فضلًا عن الفوارق الترابية التي تنعكس مباشرة على جودة الخدمات ومردوديتها.
الأكثر دلالة أن ارتفاع عدد الطلبات لا يعني بالضرورة نجاح السياسة العمومية. بل قد يكون، بالعكس، مؤشرًا على اتساع دائرة الهشاشة داخل القطاع. فكلما اتسعت قاعدة طالبي الدعم، عاد السؤال بإلحاح أكبر: هل يتعافى قطاع النقل فعلًا، أم أنه يواصل البقاء فقط بفضل ضخ متكرر للمساعدة العمومية؟
وزارة النقل واللوجستيك أكدت أنها أحدثت مركز استقبال مركزيًا ومراكز مماثلة على مستوى الأقاليم لمواكبة المهنيين، مشيرة إلى أن العملية تسير بشكل مطرد وسلس. غير أن نجاح الجانب الإداري والتقني لا يكفي وحده. فالمهنيون ينتظرون أثرًا ملموسًا على كلفة التشغيل، والمواطنون ينتظرون أثرًا مباشرًا على أسعار النقل وجودة الخدمة، قبل الحديث عن نجاح أي تدخل عمومي.
في النهاية، تكشف هذه الأرقام أن النقل الطرقي في المغرب قطاع حيوي، لكنه يعمل تحت ضغط متزايد. كما تؤكد أن الدعم، رغم ضرورته الظرفية، لا يمكن أن يكون أفقًا دائمًا. لأن المطلوب ليس فقط تدبير طلبات الاستفادة، بل بناء رؤية واضحة تنقل هذا القطاع من منطق المسكنات إلى منطق الإصلاح والتوازن والإنصاف المجالي.