الأحزاب السياسية

فيدرالية اليسار ترفع سقف الخطاب: الاعتقال السياسي وفساد الصحراء في قلب معادلة الشرعية

جاري التحميل...
/

في لحظة سياسية دقيقة، اختار حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي أن يرفع منسوب خطابه، واضعاً ملف الاعتقال السياسي ومحاربة الفساد في الأقاليم الجنوبية في صلب النقاش العمومي، في خطوة تعكس تحوّلاً من خطاب نقدي تقليدي إلى خطاب أكثر مباشرة وجرأة في مساءلة التوازنات القائمة.

البلاغ الصادر عن المكتب السياسي للحزب لم يكتفِ بالمطالبة بإطلاق سراح معتقلي الحراكات الشعبية والصحفيين والمدونين، بل ربط بشكل واضح بين الديمقراطية وملف الحريات، مؤكداً أن أي حديث عن إصلاح سياسي يظل ناقصاً في ظل استمرار ما يسميه “الاعتقال السياسي”. هذا الربط يعيد إحياء واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي المغربي، حيث يتداخل القانوني بالسياسي، وتختلف فيه القراءات بين الدولة والمعارضة.

لكن ما يمنح هذا الموقف بعداً خاصاً هو انتقال الحزب إلى مستوى آخر من النقد، من خلال ربط ملف الحريات بملف الفساد، خصوصاً في الصحراء المغربية. فالحزب لم يكتفِ بالتنديد بالأحكام الصادرة في حق مناضليه، وعلى رأسهم ليمام أيت الجديدة، بل اعتبر أن ما يحدث يعكس توجهاً أوسع يهدف، حسب تعبيره، إلى “ترهيب كاشفي الفساد” وحماية شبكات المصالح.

هذا الطرح يفتح نقاشاً حساساً: هل يمكن فعلاً الفصل بين الدفاع عن “القضية الوطنية” وبين نقد تدبير الشأن المحلي في الأقاليم الجنوبية؟
فبينما تؤكد الدولة على أولوية الوحدة الترابية، يرى جزء من المعارضة أن هذه الأولوية لا يجب أن تتحول إلى مظلة تُغطي اختلالات الحكامة أو تحدّ من حرية التعبير.

فيدرالية اليسار حاولت في بلاغها تجاوز هذا التناقض الظاهري، من خلال التأكيد على أن دعمها لمقترح الحكم الذاتي نابع من قناعة وطنية، لكنه لا يمكن أن يكون “صكاً على بياض” لقوى الفساد. بهذا الطرح، يسعى الحزب إلى إعادة صياغة العلاقة بين الوطنية والديمقراطية، معتبراً أن قوة الجبهة الداخلية لا تتحقق فقط بالشعارات، بل بمحاربة الفساد وتعزيز الثقة في المؤسسات.

غير أن هذا الموقف يضع الحزب أيضاً أمام اختبار سياسي حقيقي. فرفع سقف الخطاب قد يمنحه حضوراً أقوى في النقاش العمومي، لكنه في المقابل يطرح سؤال القدرة على تحويل هذا الخطاب إلى قوة سياسية مؤثرة، في مشهد يهيمن عليه توازن دقيق بين السلطة والمعارضة.

في العمق، يعكس هذا البلاغ صراعاً أكبر حول طبيعة المرحلة السياسية في المغرب:
هل نحن في مسار إصلاح تدريجي يتطلب الحفاظ على الاستقرار، أم في حاجة إلى قفزة نوعية تعيد ترتيب أولويات الدولة بين الأمن والحرية، وبين الوحدة الترابية والحكامة الجيدة؟

الجواب، كما يبدو، لم يعد نظرياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بملفات ملموسة، من بينها قضايا الاعتقال، وتدبير الثروات، ومستقبل التنمية في الأقاليم الجنوبية.

في النهاية، قد لا يكون بيان فيدرالية اليسار مجرد موقف حزبي عابر، بل مؤشر على عودة خطاب سياسي أكثر حدة، يحاول إعادة طرح الأسئلة المؤجلة حول الديمقراطية، والفساد، والشرعية في المغرب.

ويبقى السؤال المفتوح:
هل سيتحول هذا الخطاب إلى دينامية سياسية حقيقية، أم سيظل مجرد صوت داخل مشهد لم تتغير قواعده بعد؟

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...