الإسكان والعقار

هدم فيلا تاريخية بالدار البيضاء يفجر شبهة تواطؤ.. من يحمي الذاكرة العمرانية للمدينة؟

جاري التحميل...
/

لم يكن هدم فيلا تاريخية في قلب مقاطعة المعاريف بالدار البيضاء مجرد حادث معزول، بل تحول إلى قضية تطرح أسئلة ثقيلة حول تدبير المجال الحضري، وحدود المسؤولية الإدارية، وحماية الذاكرة المعمارية لمدينة تُفقد تدريجياً جزءاً من هويتها.

الواقعة، التي دفعت وزارة الداخلية إلى إيفاد لجنة مركزية للتحقيق، كشفت منذ لحظاتها الأولى عن اختلالات غير عادية، بعدما تم هدم بناية مصنفة ضمن المباني التاريخية، دون أي سند قانوني واضح. وهو ما أربك السلطات المحلية، وأدى إلى إبعاد رئيس دائرة وقائد ملحقة إدارية في انتظار استكمال التحقيقات.

المعطيات الأولية تشير إلى أن عملية الهدم لم تكن مجرد خطأ إداري بسيط، بل تمت في سياق يطرح شبهات “تواطؤ متعدد الأطراف”، خاصة في ظل الحديث عن احتمال تورط منتخبين وموظفين في تمرير هذا القرار غير القانوني. فالهدم، وفق المصادر، تم رغم وجود قرار سابق يقضي بتدعيم البناية سنة 2025، لا بإزالتها، وهو ما يفتح الباب أمام فرضية التلاعب في تفسير القرار أو استغلاله.

الأخطر في هذه القضية هو الطريقة التي تم بها التعامل مع سكان الفيلا، إذ جرى إيهامهم بأن قرار الهدم قانوني، على أساس أن البناية آيلة للسقوط، قبل أن يتبين لاحقاً عدم صدور أي ترخيص رسمي من الجهات المختصة. هذا المعطى يطرح تساؤلات حول مدى حماية حقوق المواطنين في مواجهة قرارات إدارية قد تُستغل بشكل غير مشروع.

لكن خلف هذه التفاصيل، تبرز إشكالية أعمق تتجاوز هذا الملف بعينه، وتتعلق بمصير المباني التاريخية في الدار البيضاء. فالمدينة، التي تعرف ضغطاً عمرانياً كبيراً، أصبحت تشهد في السنوات الأخيرة اختفاء تدريجياً لعدد من البنايات ذات القيمة المعمارية، إما بدعوى التهالك، أو بفعل المضاربات العقارية.

في هذا السياق، يتحول السؤال من “من هدم الفيلا؟” إلى “كيف تُهدم الذاكرة العمرانية للمدينة بشكل ممنهج؟”
فالمشكل لم يعد فقط في خرق القانون، بل في ضعف منظومة حماية التراث الحضري، التي تبدو عاجزة أمام منطق الاستثمار العقاري السريع.

تحرك السلطات، وعلى رأسها والي جهة الدار البيضاء-سطات، بسرعة بعد تفجر القضية، يعكس حساسية الملف، لكنه في الآن ذاته يضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي: هل سيتم الاكتفاء بترتيب المسؤوليات الفردية، أم سيتم فتح نقاش أوسع حول إصلاح تدبير المجال الحضري وحماية التراث؟

إحالة الملف المرتقبة على النيابة العامة قد تكشف معطيات جديدة، وربما تسقط أسماء أخرى، لكن الرهان الحقيقي يبقى في ما بعد التحقيق. فبدون آليات رقابة صارمة، وشفافية في منح التراخيص، وتفعيل حقيقي لقوانين حماية التراث، ستظل مثل هذه القضايا تتكرر بأشكال مختلفة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بفيلا واحدة فقط، بل بصورة مدينة كاملة.
الدار البيضاء، التي تُقدم نفسها كقطب اقتصادي حديث، تواجه اليوم معركة صامتة بين الحداثة السريعة والذاكرة المعمارية، بين الاستثمار والحفاظ على الهوية.

ويبقى السؤال المفتوح:
هل ستتحول هذه القضية إلى نقطة تحول في حماية التراث الحضري، أم أنها ستُطوى مثل غيرها، تاركة خلفها فراغاً جديداً في ذاكرة المدينة؟

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...