برامج السكن الاجتماعي في المغرب… بين منطق الإنجاز وسؤال العدالة الحضرية

منذ ما يقارب عقدين، اختار المغرب أن يواجه أزمة السكن عبر سياسة عمومية طموحة، تقوم على تشجيع السكن الاجتماعي، من خلال تحفيزات ضريبية للمنعشين العقاريين مقابل الالتزام ببناء وحدات سكنية بأسعار محددة. وقد بدا هذا النموذج، في بداياته، كحل متوازن يجمع بين تدخل الدولة ومنطق السوق، ويستهدف توسيع قاعدة الولوج إلى السكن.
فعلا، لا يمكن إنكار أن هذه السياسة مكّنت مئات الآلاف من الأسر من امتلاك سكن، وساهمت في تقليص جزء مهم من السكن غير اللائق، خاصة في المدن الكبرى. كما أنها حرّكت قطاع البناء، وخلقت دينامية اقتصادية مهمة. لكن، ومع مرور الوقت، بدأت تظهر حدود هذا النموذج، ليس من حيث قدرته على الإنتاج، بل من حيث جودة ما ينتجه، ومن حيث أثره على شكل المدينة.
أول هذه التحديات يرتبط بموقع المشاريع. فغالبية برامج السكن الاجتماعي تُنجز في أطراف المدن، حيث العقار أقل تكلفة. هذا الاختيار، رغم وجاهته الاقتصادية، خلق نوعا من “الهامش الحضري الجديد”، حيث يجد السكان أنفسهم بعيدين عن مراكز العمل والخدمات. النتيجة هي ارتفاع كلفة التنقل، وإهدار الوقت اليومي، وتراجع جودة الحياة، خاصة بالنسبة للطبقات التي لا تتوفر على وسائل نقل خاصة.
ثاني التحديات يتعلق بالبنية التحتية المرافقة. فبعض المشاريع تُسلم قبل استكمال التجهيزات الأساسية، مثل الطرق، أو المدارس، أو المراكز الصحية. وهنا يتحول السكن من حل إلى بداية معاناة جديدة، حيث يضطر السكان إلى التكيف مع واقع غير مكتمل.
أما على مستوى الجودة، فقد أصبح النقاش أكثر وضوحا في السنوات الأخيرة. فالتقارير غير الرسمية وشكاوى بعض المستفيدين تشير إلى وجود تفاوت كبير بين المشاريع، سواء من حيث جودة المواد المستعملة، أو مستوى التشطيب، أو احترام المعايير التقنية. هذه الاختلالات لا تعني أن جميع المشاريع تعاني منها، لكنها تكشف عن ضعف في المراقبة في بعض الحالات، أو عن ضغط السرعة والكلفة في أخرى.
غير أن الإشكال الأعمق يكمن في طبيعة النموذج نفسه. فالسكن الاجتماعي، كما تم تنزيله، يعتمد بشكل كبير على المنعش العقاري، الذي يشتغل بمنطق الربح، ولو في إطار تسعيرة محددة. هذا التوازن الدقيق بين البعد الاجتماعي والبعد التجاري ليس سهلا، وقد يؤدي أحيانا إلى تغليب الاعتبارات الاقتصادية على حساب جودة العيش.
إلى جانب ذلك، برزت ظاهرة أخرى مقلقة، وهي خروج جزء من هذه الوحدات عن وظيفتها الأصلية. فبعض الشقق التي يفترض أن تكون موجهة للسكن، تتحول إلى موضوع للمضاربة أو الكراء، وهو ما يفرغ البرنامج جزئيا من أهدافه الاجتماعية، ويطرح سؤال الاستهداف الحقيقي للمستفيدين.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال الأساسي:
هل نريد فقط بناء شقق، أم بناء مدن متوازنة؟
الجواب على هذا السؤال يمر عبر إعادة التفكير في عدة مستويات. أولها، ربط مشاريع السكن الاجتماعي بشبكات النقل والخدمات، حتى لا تتحول إلى أحياء معزولة. ثانيها، تعزيز آليات المراقبة التقنية، وضمان احترام معايير الجودة بشكل صارم. وثالثها، تطوير نماذج جديدة للسكن، مثل الإيجار المدعوم، أو السكن التعاوني، لتخفيف الضغط على التملك كخيار وحيد.
كما أن الاستثمار في العنصر البشري يظل حاسما في هذا المجال. فنجاح أي سياسة سكنية لا يقاس فقط بعدد الوحدات، بل بقدرة الأسر على الاندماج والاستقرار، وعلى بناء حياة متوازنة داخل هذه الفضاءات الجديدة.
في النهاية، السكن ليس مجرد جدران وسقف، بل هو إطار للحياة اليومية، ومجال لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية.
وأي سياسة لا تأخذ هذا البعد بعين الاعتبار، قد تنجح في الأرقام… لكنها تفشل في الواقع.
المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق الكم إلى منطق الجودة،
ومن سياسة السكن إلى سياسة المدينة.

