نزع الملكية في المغرب… حين تتحول “المنفعة العامة” إلى مصدر خوف اجتماعي

ليس هناك ما هو أكثر حساسية في العلاقة بين الدولة والمواطن من ملف الملكية. لأن الأمر لا يتعلق فقط بقطعة أرض أو منزل أو عقار، بل يرتبط بالأمان، وبالاستقرار، وبالذاكرة العائلية، وأحيانا بمصدر العيش نفسه. لهذا السبب بالذات، يظل نزع الملكية واحدا من أكثر الملفات تعقيدا وإثارة للتوتر في المغرب، خاصة عندما يشعر المواطن أن “المنفعة العامة” تتحول في الممارسة إلى مصلحة تسبق حقه، لا إلى مبدأ يوازن بين الحاجة إلى المشروع وضرورة الإنصاف.
النقاش الذي عاد بقوة حول مشروع تعديل قانون نزع الملكية لا ينبع فقط من مضمون النص، بل من تراكم طويل من التجارب الواقعية التي جعلت عددا من المواطنين ينظرون إلى هذه المسطرة بكثير من الحذر والقلق. والسبب بسيط: في كثير من الحالات، لا تكون المشكلة في المبدأ، لأن أغلب الناس يتفهمون أن للدولة الحق في تعبئة العقار من أجل إنجاز طرق أو سدود أو تجهيزات كبرى أو مشاريع مهيكلة، بل المشكلة في الطريقة التي يتم بها ذلك، وفي الثمن الاجتماعي والإنساني الذي يدفعه المتضررون.
حين يتحدث المتضررون عن تعويضات “هزيلة”، فهم لا يتحدثون فقط عن فرق بين أرقام، بل عن فرق بين منطقين. منطق السوق الذي يعرف القيمة الحقيقية للعقار داخل المجال الحضري أو شبه الحضري، ومنطق إداري يظل في أحيان كثيرة أسير تقييمات لا تعكس الواقع، أو تستند إلى معايير قديمة لا تنصف المالك. هنا يبدأ الشعور بالغبن. لأن المواطن لا يرى فقط أن ملكه نُزع، بل يرى أيضا أن المقابل المعروض عليه لا يسمح له باستعادة نفس الحد الأدنى من الاستقرار الذي كان يملكه.
الخطير في هذا الملف أن الضرر لا يكون ماديا فقط. في بعض الحالات، يتم هدم المساكن أو وضع اليد على الأراضي قبل أن تُحسم كل الإجراءات المرتبطة بالتعويض والسكن البديل. وحين يحدث ذلك، تتحول المسطرة من إجراء قانوني إلى أزمة اجتماعية مفتوحة. الأسرة لا تدخل حينها في نقاش قانوني مجرد، بل في مواجهة مباشرة مع سؤال يومي بسيط وقاسٍ: أين سنذهب؟ كيف سنعوض ما فقدناه؟ ومن سيتحمل كلفة الانتظار؟
هذا ما يجعل نزع الملكية في المغرب ملفا يتجاوز القانون إلى السياسة العمومية وإلى العدالة الترابية والاجتماعية. لأن الدولة حين تنزع الملكية باسم المصلحة العامة، فهي مطالبة أخلاقيا وسياسيا، وليس فقط قانونيا، بأن تضمن أن المواطن المنزوعة ملكيته لن يتحول إلى ضحية جانبية لمشروع عمومي.
المشكل الذي يثيره عدد من القانونيين والحقوقيين بوضوح هو أن ميزان القوة داخل هذه المسطرة يميل غالبا لصالح الإدارة. المشروع الجديد، رغم ما يحمله من عناصر مرتبطة بالتسريع والرقمنة وتقليص الآجال، يظل في نظر منتقديه مشروعا يستجيب بالدرجة الأولى لحاجة الإدارة إلى تسريع الإنجاز، أكثر مما يستجيب لحاجة المواطن إلى الضمانات. وهنا تكمن العقدة الرئيسية.
فحين يتم الحديث عن “الحيازة الاستعجالية”، أي تمكين الإدارة من وضع اليد على العقار بسرعة أكبر في بعض المشاريع ذات الطابع المستعجل، فإن هذا يبدو منطقيا من زاوية إنجاز الأوراش الكبرى. لكن من زاوية المواطن، المسألة مختلفة تماما. لأن المالك قد يجد نفسه أمام أمر واقع: عقاره خرج من يده عمليا، بينما التعويض النهائي ما يزال محل نزاع أو انتظار أو خبرة. بهذا المعنى، لا يعود الخلاف فقط حول قيمة التعويض، بل حول معنى الحماية نفسها: هل هي حماية حقيقية إذا كان التنفيذ يسبق الحسم؟
ثم هناك معضلة أخرى لا تقل خطورة، وهي مسألة الجهة التي تقيم العقار وتحدد التعويض. إذا كانت الإدارة هي صاحبة المشروع، وهي نفسها التي تستند إلى لجان ذات طابع إداري في تحديد القيمة، فإن الإحساس الطبيعي لدى المواطن هو أنه يواجه خصما وحكما في الوقت نفسه. حتى لو كانت المسطرة قانونية من حيث الشكل، فإن الشعور بعدم التكافؤ يبقى قائما، ويؤثر مباشرة على الثقة.
في هذا السياق، تبدو الدعوات إلى تمكين المالك من خبرة مضادة ومستقلة دعوات منطقية وضرورية. لأن جوهر العدالة في مثل هذه الملفات لا يكمن فقط في وجود مسطرة، بل في تكافؤ أدوات الدفاع داخلها. المواطن البسيط، خاصة في العقارات غير المحفظة أو في حالات الشياع المعقدة أو الإرث، ليس دائما في وضع يسمح له بخوض معركة قانونية طويلة ومكلفة. وإذا أضيف إلى ذلك تقليص آجال الطعن أو تعقيد بعض الشروط، فإن الخطر يصبح واضحا: حماية قانونية موجودة على الورق، لكنها صعبة التفعيل في الواقع.
ولا يقل أهمية عن كل ذلك ما أشار إليه التقرير السنوي لوسيط المملكة من اختلالات في صرف التعويضات، ومن استمرار التأخير والتعثر رغم صدور الأحكام. هذه النقطة تحديدا تكشف أن الأزمة ليست فقط في النصوص، بل أيضا في ما بعد النص. لأن التعويض إذا لم يُصرف في الوقت المناسب، أو ظل معلقا لسنوات، فإنه يفقد جزءا كبيرا من قيمته الاجتماعية والإنسانية، حتى لو كان الحكم القضائي لصالح المواطن.
المغرب اليوم أمام مفترق طرق في هذا الملف. فمن جهة، تحتاج الدولة فعلا إلى آلية فعالة لتعبئة العقار من أجل المشاريع الكبرى، وإلا ستظل أوراش كثيرة رهينة البطء والتعطيل. ومن جهة أخرى، لا يمكن بناء مشروعية هذه السرعة على حساب الطمأنينة العقارية للمواطن. لأن الدولة التي تريد تسريع التنمية لا يجب أن تفعل ذلك بتوسيع دائرة الشعور بالخوف من نزع الملكية.
الرهان الحقيقي ليس فقط في تسريع المسطرة، بل في إعادة التوازن إليها. توازن يجعل المواطن يفهم لماذا يُنزع ملكه، ويثق في أن التعويض سيكون عادلا، ويحس أن الانتقال لن يتحول إلى قطيعة اجتماعية قاسية. هذا التوازن وحده يمكن أن يجعل “المنفعة العامة” مفهوما مقبولا، لا عبارة فضفاضة تستر وراءها اختلالات التقدير والتعويض والتنفيذ.
في النهاية، نزع الملكية ليس اختبارا فقط للقانون، بل لاختبار أعمق بكثير:
هل تستطيع الدولة أن تُنجز المشاريع الكبرى دون أن تُشعر المواطن بأن حقه في الملكية هش؟
وهل يمكن للمصلحة العامة أن تظل مقنعة إذا لم تكن عادلة في أثرها على الأفراد؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يحسمه أي إصلاح جدي لهذا الملف.

