إقالة جماعية في سبع عيون… حين يتحول الغياب إلى أزمة ثقة في تدبير الشأن المحلي

في جماعة سبع عيون بإقليم الحاجب، لا يتعلق الأمر هذه المرة بنقاش عادي داخل مجلس جماعي، بل بوضع استثنائي يعكس عمق الإشكال الذي تعيشه بعض مؤسسات التدبير المحلي. الحديث عن إقالة ثمانية مستشارين دفعة واحدة بسبب الغياب المتكرر ليس مجرد إجراء إداري، بل مؤشر على خلل في الالتزام السياسي وفي فهم المسؤولية الانتدابية.
من الناحية القانونية، يبدو القرار واضحا. القانون التنظيمي للجماعات الترابية ينص صراحة على إمكانية إقالة الأعضاء الذين يتغيبون عن الدورات بشكل متكرر دون مبرر. وبالتالي، فإن المجلس لا يقوم إلا بتفعيل مقتضى قانوني قائم. لكن، من الناحية السياسية، الأمر أكثر تعقيدا. لأن السؤال لا يتعلق فقط بغياب هؤلاء الأعضاء، بل بما يكشفه هذا الغياب عن طبيعة العمل داخل المجلس.
حين يتغيب منتخب عن عشر أو إحدى عشرة دورة، فذلك لا يمكن تفسيره بظرف عابر أو التزام شخصي مؤقت. نحن هنا أمام نمط من الغياب يعكس إما غياب الجدية، أو وجود اختلالات داخلية تجعل بعض الأعضاء ينسحبون بشكل غير مباشر من ممارسة مهامهم. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: مؤسسة منتخبة تفقد جزءا من فعاليتها.
الأخطر من ذلك أن هذا الوضع يضع الساكنة أمام صورة سلبية عن العمل الجماعي. المواطن الذي صوت على ممثليه لا ينتظر منهم فقط الحضور، بل المشاركة في اتخاذ القرار، ومواكبة المشاريع، وتتبع الملفات اليومية التي تهمه. وعندما يتحول المجلس إلى فضاء يغيب عنه عدد كبير من أعضائه، فإن الثقة تبدأ في التآكل، ولو بشكل صامت.
قرار إقالة الكاتب العام للمجلس، بالتزامن مع هذه التطورات، يزيد من تعقيد الصورة. لأن الأمر لم يعد يقتصر على غياب بعض الأعضاء، بل أصبح يشمل أيضا تغييرا في أحد المناصب التنظيمية الأساسية داخل المجلس. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقات الداخلية: هل هناك صراع؟ هل هناك سوء تدبير؟ أم أن الأمر مجرد محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي؟
في كل الحالات، فإن التوقيت يطرح إشكالا عمليا واضحا. كيف يمكن لمجلس يعرف هذا الحجم من التغييرات أن يواصل أداء مهامه بشكل طبيعي؟ الميزانية يجب أن تمر، الاتفاقيات يجب أن تُبرم، المشاريع يجب أن تُتبع على أرض الواقع. وكل ذلك يتطلب استقرارا أدنى داخل المؤسسة، لا حالة من إعادة التشكيل المستمر.
هذا النوع من الأزمات يكشف أيضا عن إشكال أعمق في العمل السياسي المحلي بالمغرب. في كثير من الأحيان، يتم التعامل مع العضوية داخل المجالس المنتخبة كامتياز، لا كمسؤولية يومية تتطلب حضورا ومتابعة والتزاما. وعندما تغيب هذه الثقافة، تتحول المجالس إلى هياكل شكلية أكثر منها فضاءات حقيقية لصناعة القرار المحلي.
لكن، في المقابل، لا يمكن وضع كل المسؤولية على الأعضاء فقط. لأن ظروف العمل داخل بعض الجماعات قد لا تكون دائما محفزة. ضعف الإمكانيات، غياب التكوين، تعقيد المساطر، أو حتى هيمنة بعض الأطراف داخل المجلس، كلها عوامل قد تدفع بعض المنتخبين إلى الانسحاب التدريجي. وهذا لا يبرر الغياب، لكنه يفسر جزءا من السياق.
ما يحدث في سبع عيون يجب أن يُقرأ كفرصة لإعادة طرح سؤال الحكامة المحلية. ليس فقط من زاوية احترام القانون، بل من زاوية جودة التمثيلية. كيف نضمن أن المنتخبين الذين يصلون إلى المجالس قادرون فعلا على تحمل المسؤولية؟ وكيف يمكن خلق بيئة عمل تشجع على الحضور والمشاركة بدل الانسحاب؟
في النهاية، إقالة ثمانية أعضاء قد تكون خطوة ضرورية لإعادة الانضباط داخل المجلس، لكنها ليست حلا نهائيا. لأن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الغياب، بل في الأسباب التي أدت إليه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل سيتم تعويض هذا الخلل بإعادة بناء مجلس أكثر انسجاما وفعالية؟
أم أننا أمام أزمة عابرة ستتكرر بصيغة أخرى في دورة مقبلة؟
الجواب، كما هو الحال دائما في الشأن المحلي، لن يُقاس بالكلام… بل بما سيحدث على أرض الواقع.

