المدينة التي تُقصي سكانها: من يملك الحق في العيش داخلها؟

لم يعد السؤال في المدن المغربية اليوم هو كيف نُسكن الناس، بل من يملك فعلياً الحق في السكن داخل المدينة. فمع التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال الحضري، بدأت ملامح إقصاء صامت تتشكل، لا عبر قرارات معلنة، بل من خلال آليات السوق، وارتفاع الأسعار، واختلال السياسات العمومية.
المدينة، التي كانت تاريخياً فضاءً للفرص والترقي الاجتماعي، تتحول تدريجياً إلى مجال انتقائي، يُفتح لمن يملك القدرة المالية، ويُغلق في وجه فئات واسعة لم تعد قادرة على تحمل كلفة العيش داخلها. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بغلاء العقار، بل بتغير عميق في طبيعة المدينة نفسها: من فضاء جامع إلى فضاء إقصائي.
أول مظاهر هذا التحول يظهر في سوق السكن. أسعار الشراء ارتفعت بشكل ملحوظ، لكن الأخطر هو ما يحدث في سوق الكراء، حيث أصبحت الأثمنة في عدد من المدن الكبرى، مثل الدار البيضاء والرباط، تفوق القدرة الحقيقية للطبقة المتوسطة، ناهيك عن الفئات الهشة. والنتيجة واضحة: إما الابتعاد نحو الهوامش، أو القبول بشروط سكن غير ملائمة.
هذا النزوح نحو الأطراف ليس اختياراً حراً، بل نتيجة ضغط اقتصادي مباشر. أسر كانت تقطن في قلب المدينة تجد نفسها مضطرة للانتقال إلى مناطق بعيدة، تفتقر أحياناً لأبسط الخدمات، فقط لأنها لم تعد قادرة على مواكبة الارتفاع المستمر في التكاليف. وهكذا، يتم إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للمدينة: مركز غني، وهوامش متضخمة.
لكن الإقصاء لا يتم فقط عبر الأسعار، بل أيضاً عبر طريقة التخطيط الحضري. مشاريع عقارية جديدة تُبنى، لكن كثيراً منها موجّه لفئات محددة، أو يُسوق كمنتج استثماري أكثر منه كحل سكني. في المقابل، يظل العرض الموجه للفئات المتوسطة أو الضعيفة محدوداً أو ضعيف الجودة. هنا، يتحول التعمير من أداة لتحقيق العدالة المجالية، إلى عامل يعمق الفوارق.
الفضاء العام بدوره يشهد نفس التحول. مساحات مشتركة تقل، أماكن مفتوحة تُستبدل بإقامات مغلقة، ومدينة تُجزّأ إلى “جزر اجتماعية” منفصلة. لم يعد الجميع يعيش نفس المدينة، بل مدن متعددة داخل نفس المجال الجغرافي، لكل فئة شروطها وحدودها.
اقتصادياً، هذا الوضع يعكس اختلالاً في توزيع القيمة داخل المدينة. الاستثمار يتجه نحو القطاعات الأكثر ربحاً، وليس بالضرورة الأكثر حاجة اجتماعياً. وهذا ما يجعل السكن، الذي يفترض أن يكون حقاً أساسياً، يتحول إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، دون تدخل كافٍ لإعادة التوازن.
اجتماعياً، أخطر ما في هذا التحول هو أثره على الإحساس بالانتماء. حين يشعر المواطن أنه غير قادر على العيش في مدينته، أو أنه يُدفع تدريجياً نحو الهامش، فإن العلاقة مع المدينة تتغير. لم تعد فضاءً للاندماج، بل مجالاً للصراع الصامت على المكان.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بسوق عقاري أو سياسة حضرية، بل بسؤال سياسي واجتماعي أكبر: هل المدينة حق للجميع، أم امتياز لمن يستطيع الدفع؟
المدن التي تُقصي سكانها، حتى وإن بدت حديثة ومتطورة، تحمل في داخلها بذور اختلالات مستقبلية. لأن الإقصاء لا يختفي، بل يعيد تشكيل نفسه في شكل توترات اجتماعية، أو تفاوتات حادة، أو فقدان تدريجي للتماسك الحضري.
إعادة التوازن لا تمر فقط عبر بناء المزيد من السكن، بل عبر إعادة التفكير في وظيفة المدينة نفسها. من فضاء للربح، إلى فضاء للعيش المشترك. من منطق السوق فقط، إلى منطق الحق أيضاً.
لأن المدينة، في النهاية، لا تُقاس بعدد عماراتها…
بل بقدرتها على أن تحتضن جميع سكانها، دون استثناء.

