المدينة في المغرب: حين يتحول التعمير إلى أداة إنتاج للهشاشة بدل معالجتها

لم تعد المدينة في المغرب مجرد فضاء جغرافي يتوسع، بل تحولت إلى مرآة تعكس اختلالات عميقة في طريقة تدبير المجال الحضري. فخلال العقدين الأخيرين، شهدت المدن المغربية نمواً عمرانياً متسارعاً، لكن هذا النمو لم يكن دائماً مرادفاً للتنمية، بل في كثير من الأحيان كان إعادة إنتاج لأشكال جديدة من الهشاشة، ولكن بواجهة حديثة.
في الخطاب الرسمي، يُقدَّم التعمير كأداة لتحديث المدن وتحسين جودة العيش، غير أن الواقع يكشف أن جزءاً كبيراً من هذا التوسع يتم خارج منطق الاندماج الحضري الحقيقي. أحياء جديدة تظهر بسرعة، عمارات ترتفع، طرق تُعبد، لكن دون أن يواكب ذلك بناء منظومة متكاملة من الخدمات والفرص الاقتصادية. وهنا يبدأ الخلل: مدينة تنمو في الشكل، لكنها لا تتطور في الجوهر.
أحد أبرز مظاهر هذا الاختلال هو ما يمكن تسميته بـ”الهشاشة المهيكلة”. لم تعد الهشاشة محصورة في الأحياء العشوائية التقليدية، بل أصبحت تتخذ أشكالاً جديدة داخل مشاريع سكنية منظمة ظاهرياً، لكنها تعاني من ضعف الخدمات، وبعدها عن مراكز الشغل، وغياب النقل العمومي الفعال. النتيجة هي ساكنة تعيش في فضاءات حديثة، لكنها تواجه نفس التحديات اليومية: العزلة، الكلفة، وضغط التنقل.
هذا التحول يعكس أزمة أعمق في فلسفة التعمير نفسها. فبدل أن يكون التخطيط الحضري موجهاً نحو خلق مدن متوازنة، يبدو أنه في كثير من الأحيان خاضع لمنطق العرض العقاري أكثر من كونه منطلقاً من حاجيات الساكنة. بمعنى آخر، يتم بناء ما يمكن بيعه، وليس بالضرورة ما يجب أن يُبنى.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن ضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين في المجال الحضري. فالتعمير، النقل، البيئة، والسياسات الاجتماعية، كلها قطاعات يفترض أن تشتغل ضمن رؤية موحدة، لكن ما يحدث في الغالب هو العكس: تدخلات مجزأة، وقرارات لا تُبنى دائماً على معطيات ميدانية دقيقة. وهذا ما يفسر ظهور أحياء تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم رغم حداثة بنيتها.
البعد البيئي بدوره لا يحظى بالمكانة التي يستحقها داخل هذا النموذج. التوسع الحضري يتم أحياناً على حساب المساحات الخضراء، أو دون مراعاة التوازنات الإيكولوجية، مما يجعل المدن أكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية، سواء من حيث الفيضانات أو ارتفاع درجات الحرارة. وهنا، لا يتعلق الأمر فقط بجمالية المدينة، بل بقدرتها على الصمود في وجه التحولات البيئية القادمة.
اجتماعياً، هذا النموذج يساهم في تعميق الفوارق بدل تقليصها. مدن تتوسع، لكن بشكل غير متكافئ، حيث تتجاور أحياء راقية مجهزة بكل الوسائل، مع أخرى تعاني من نقص حاد في الخدمات. هذا التفاوت لا يخلق فقط إحساساً بعدم العدالة، بل يؤثر أيضاً على التماسك الاجتماعي داخل المدينة نفسها.
في العمق، ما نعيشه اليوم ليس أزمة تعمير بالمعنى التقني، بل أزمة رؤية. لأن المدينة ليست مجرد مشروع هندسي، بل كيان اجتماعي واقتصادي وبيئي معقد. وعندما يتم التعامل معها كمنتج عقاري فقط، فإن النتيجة تكون مدناً ناقصة، مهما كانت حديثة في مظهرها.
المطلوب اليوم ليس إيقاف التوسع العمراني، بل إعادة توجيهه. منطق “كم نبني؟” يجب أن يُستبدل بسؤال أكثر عمقاً: “كيف نبني، ولمن، ولماذا؟”. لأن مستقبل المدن المغربية لن يُحدد بعدد المشاريع التي تُنجز، بل بمدى قدرتها على أن تكون فضاءات عادلة، مستدامة، وقابلة للحياة.

