
المدينة العربية: سهى بنموسى
في خضم واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في كرة القدم الإفريقية، خرج رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، بتصريح حازم: “لا توجد دولة إفريقية تعامل بطريقة تفضيلية”. تصريح يبدو، في ظاهره، دفاعاً عن نزاهة المؤسسة القارية، لكنه في عمقه يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول واقع الحوكمة داخل الكاف، وحدود استقلالية قراراته.
القضية التي فجّرت هذا النقاش، والمتعلقة بتجريد المنتخب السنغالي من لقب كأس الأمم الإفريقية ومنحه للمنتخب المغربي، لم تكن مجرد قرار رياضي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمصداقية مؤسسات الكاف. فحين يصل الخلاف إلى هذا المستوى، ويتجه نحو محكمة التحكيم الرياضي، فإن الأمر يتجاوز الملعب، ليصبح مسألة ثقة في منظومة كاملة.
موتسيبي شدد على حق جميع الدول الإفريقية في اللجوء إلى “طاس”، وهو موقف يُحسب له من حيث احترام المساطر القانونية. لكن في المقابل، فإن التأكيد على غياب المعاملة التفضيلية لا يكفي وحده لإقناع الرأي العام، خاصة في ظل تاريخ طويل من الجدل الذي رافق قرارات الاتحاد الإفريقي، سواء على مستوى التحكيم، أو الانضباط، أو حتى تنظيم المنافسات.
المشكلة هنا ليست فقط في القرارات، بل في “تصورات النزاهة”. فحتى لو كانت الهيئات القضائية داخل الكاف تضم قضاة ومحامين ذوي كفاءة، كما أشار موتسيبي، فإن الثقة لا تُبنى فقط بالكفاءة، بل أيضاً بالشفافية، وبقدرة المؤسسة على إقناع المتابعين بأن قراراتها خالية من أي تأثيرات سياسية أو توازنات غير معلنة.
الواقع أن كرة القدم الإفريقية ليست معزولة عن السياق السياسي والاقتصادي للقارة. الاتحادات الوطنية، بحجمها وتأثيرها، تلعب أدواراً تتجاوز الرياضة، وهو ما يجعل فكرة “الحياد الكامل” أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في التصريحات الرسمية. وهنا، يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن فعلاً فصل القرار الرياضي عن موازين القوى داخل القارة؟
من جهة أخرى، يعكس هذا الجدل تحولاً مهماً في سلوك الاتحادات الإفريقية، التي أصبحت أكثر استعداداً للجوء إلى الهيئات الدولية للطعن في القرارات. وهذا مؤشر على تراجع الثقة في بعض الأحيان في الهياكل الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يعكس نضجاً قانونياً ورغبة في الاحتكام إلى معايير أعلى.
في هذا السياق، لا يبدو أن تصريح موتسيبي يهدف فقط إلى الدفاع عن قرار معين، بل إلى حماية صورة مؤسسة تواجه تحدياً حقيقياً في استعادة ثقة جمهورها. لأن التحدي الأكبر اليوم لم يعد في إصدار القرارات، بل في إقناع الجميع بأنها عادلة.
كرة القدم، في نهاية المطاف، ليست مجرد نتائج وألقاب، بل هي أيضاً شعور بالإنصاف. وحين يتزعزع هذا الشعور، فإن كل قرار، مهما كان قانونياً، يصبح محل شك.
لذلك، فإن مستقبل الكاف لن يُحدد فقط بما تقرره لجانه، بل بمدى قدرته على بناء ثقة حقيقية، تتجاوز البيانات الرسمية، وتترسخ في وعي الجماهير. لأن العدالة، في الرياضة كما في السياسة، لا تُقاس فقط بما يحدث… بل بما يُعتقد أنه يحدث.

