الإسكان والعقارالجماعات الترابية

التعمير في الناظور تحت المجهر… حين تتحول الثغرات الإدارية إلى بوابة للفوضى العمرانية

جاري التحميل...
/

ما يحدث اليوم في جماعة أزغنغان بإقليم الناظور ليس مجرد واقعة محلية معزولة، بل هو صورة مكثفة لاختلال أعمق يطال تدبير التعمير في عدد من المناطق المغربية. حلول لجنة إقليمية للتدقيق في ملفات التعمير يعكس، في الظاهر، يقظة إدارية، لكنه في العمق يطرح سؤالا أكبر: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد أصلا؟

المعطيات المتداولة تشير إلى وجود ممارسات مرتبطة بما يعرف بـ”التجزئات السرية”، إلى جانب شبهات حول منح شواهد السكن خارج المساطر القانونية. وهذه ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على وجود نظام موازٍ داخل منظومة يفترض أن تكون مضبوطة بالقانون. حين تتحول الأرض إلى قطع تُجزأ في الظل، وحين تصبح الوثيقة الإدارية وسيلة للالتفاف بدل التنظيم، فإننا لا نكون أمام خرق بسيط، بل أمام خلل في فلسفة التعمير نفسها.

التعمير، في جوهره، ليس فقط رخصا وتصاميم، بل هو تصور شامل لكيفية بناء المدينة وتنظيم المجال. وعندما تُختزل هذه العملية في إجراءات يمكن التحايل عليها، تتحول النتيجة إلى فضاء حضري غير متوازن: أحياء بدون تجهيزات، طرق غير مهيأة، ضغط على البنيات التحتية، وفوق ذلك كله شعور عام بأن القانون لا يطبق بنفس الصرامة على الجميع.

في حالة أزغنغان، يبدو أن اللجنة الإقليمية تحاول القيام بعمل مزدوج: التحقيق في الخروقات، وفي الوقت نفسه تقييم مدى احترام المساطر داخل قسم التعمير. وهذا أمر مهم، لأن المشكلة لا تكون دائما في النتيجة فقط، بل في المسار الذي يؤدي إليها. هل هناك ضعف في المراقبة؟ هل هناك تواطؤ؟ أم أن المساطر نفسها تحتوي على ثغرات تسمح بهذا النوع من الانزلاقات؟

لكن، بعيدا عن تفاصيل الملف، فإن مثل هذه القضايا تطرح إشكالا أوسع يرتبط بثقة المواطن في الإدارة. لأن المواطن حين يرى بنايات تظهر خارج القانون، أو وثائق تُمنح بطرق مشبوهة، يفقد تدريجيا الإحساس بعدالة المجال. يصبح السؤال بسيطا لكنه خطير: لماذا يُسمح للبعض بما يُمنع على الآخرين؟

هذه النقطة بالذات تجعل من قضايا التعمير أكثر حساسية من غيرها. لأنها لا تتعلق فقط بالقانون، بل بالإنصاف. المدينة، في النهاية، هي فضاء مشترك، وأي اختلال في قواعد بنائها ينعكس على الجميع، حتى على من لم يشارك في الخرق.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن الضغط على المجال الحضري في المغرب كبير. الطلب على السكن في ارتفاع، والهجرة الداخلية مستمرة، والقدرة على مواكبة هذا الطلب تبقى محدودة في بعض المناطق. هذا الواقع يخلق بيئة خصبة لظهور ممارسات غير قانونية، حيث يتحول “الحل السريع” إلى بديل عن التخطيط طويل المدى.

لكن هذا التبرير لا يمكن أن يكون مخرجا. لأن التساهل مع البناء غير المنظم لا يحل الأزمة، بل يؤجلها ويعقدها. التجزئات السرية قد تبدو حلا آنيا لبعض الأسر، لكنها تتحول لاحقا إلى أحياء تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، وتصبح عبئا على الجماعات بدل أن تكون امتدادا منظما للمدينة.

من هنا تأتي أهمية هذه التحقيقات، ليس فقط لكشف ما وقع، بل لإرسال رسالة واضحة بأن المجال العمراني ليس منطقة رمادية. غير أن نجاح هذه الرسالة مرتبط بما سيلي التحقيق: هل ستتم المحاسبة؟ هل سيتم تصحيح الاختلالات؟ أم أن الأمر سيتوقف عند حدود التقارير؟

التجربة المغربية أظهرت أن التحدي ليس في اكتشاف الخروقات، بل في استمرارية المعالجة. لأن غياب المتابعة يجعل من كل تدخل إداري مجرد لحظة عابرة، سرعان ما تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه.

في النهاية، ملف أزغنغان يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:
هل نريد مدنا تُبنى بالقانون… أم مدنا تُبنى بالاستثناءات؟

الجواب لا يوجد فقط في نتائج هذه اللجنة،
بل في الطريقة التي سيتعامل بها النظام ككل مع هذه الظواهر مستقبلا.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...