مبيدات مغشوشة في حقول الشمال… خطر صامت يهدد الفلاح والمستهلك

في الوقت الذي يحاول فيه المغرب تعزيز سيادته الغذائية وتطوير قطاعه الفلاحي، يطفو على السطح ملف مقلق يعيد طرح أسئلة عميقة حول جودة المدخلات الفلاحية وظروف مراقبتها. فالشكايات التي رفعها فلاحو مناطق الشمال، خاصة بإقليم العرائش، بشأن ترويج مبيدات مغشوشة، لا تعكس مجرد اختلال عابر، بل تشير إلى خلل بنيوي قد تكون له تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والصحة العامة.
المعطيات المتداولة تفيد بأن هذه المبيدات تُسوّق في محلات غير مرخصة أحيانا، وتُقدم للفلاحين على أنها منتجات فعالة لمكافحة الفطريات والأعشاب الضارة، بينما الواقع يكشف أنها إما عديمة الفعالية أو تحتوي على تركيبات غير مطابقة للمعايير. هذا الوضع يضع الفلاح في مواجهة مباشرة مع خسائر مزدوجة: خسارة المحصول من جهة، وتكلفة مالية إضافية من جهة أخرى.
لكن الخطر لا يقف عند حدود الحقول. فحين تُستعمل مبيدات مغشوشة أو غير مراقبة، فإن أثرها يمتد إلى المستهلك النهائي. المواد الكيميائية غير المطابقة قد تترك بقايا سامة في المنتجات الزراعية، ما يهدد السلامة الصحية للمواطنين. وهنا يتحول الموضوع من قضية فلاحية إلى قضية صحة عمومية.
ما يزيد من خطورة الوضع هو انتشار محلات بيع المواد الفلاحية خارج أي إطار قانوني واضح. هذه المحلات، التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى التأطير العلمي والتقني، تتحول إلى نقطة ضعف في سلسلة الإنتاج الفلاحي. إذ يمكن لأي شخص أن يبيع منتجات حساسة دون معرفة كافية بتركيبتها أو آثارها، ودون رقابة فعالة على مصدرها.
في هذا السياق، يبدو تدخل السلطات، عبر فتح تحقيق من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، خطوة ضرورية، لكنها تظل غير كافية إذا لم تُواكب بإجراءات هيكلية أعمق. لأن المشكلة ليست فقط في وجود مبيدات مغشوشة، بل في البيئة التي تسمح بانتشارها.
أول هذه الإشكالات يتعلق بمسالك التوزيع. فحين تكون قنوات توزيع المدخلات الفلاحية غير منظمة بشكل كافٍ، يصبح من السهل تسريب منتجات غير قانونية إلى السوق. وهذا يطرح ضرورة إعادة هيكلة هذا القطاع، عبر فرض شروط صارمة على الموزعين، وربط الترخيص بالتكوين والمعرفة التقنية.
ثانيا، هناك جانب مرتبط بوعي الفلاحين أنفسهم. ففي غياب التأطير الكافي، قد يجد الفلاح نفسه مضطرا للاعتماد على توصيات غير موثوقة، أو شراء منتجات بناء على السعر فقط، دون إدراك للمخاطر المرتبطة بها. وهذا يستدعي تعزيز دور الإرشاد الفلاحي، ليس فقط كخدمة تقنية، بل كآلية لحماية الفلاح من الاستغلال.
ثالثا، يبرز عامل المراقبة الميدانية. فالقوانين قد تكون موجودة، لكن فعاليتها تظل رهينة بمدى تطبيقها على أرض الواقع. مراقبة المحلات، تتبع مسار المنتجات، والتحقق من جودتها، كلها عناصر تحتاج إلى حضور قوي ومستمر للسلطات المختصة.
من زاوية أوسع، يكشف هذا الملف عن مفارقة في السياسات الفلاحية. فمن جهة، يتم الاستثمار في تطوير الإنتاج وتحسين المردودية، ومن جهة أخرى، تظل بعض حلقات السلسلة، مثل جودة المدخلات، عرضة للاختلال. وهذا يهدد بتقويض الجهود المبذولة في باقي المراحل.
كما أن هذا الوضع قد يؤثر على صورة المنتجات المغربية في الأسواق الدولية، خاصة في ظل تشدد المعايير الصحية في التصدير. أي خلل في جودة الإنتاج قد ينعكس سلبا على ثقة الشركاء التجاريين، وهو ما يطرح تحديا إضافيا أمام الفلاحة المغربية.
في النهاية، لا يمكن التعامل مع قضية المبيدات المغشوشة كحادثة معزولة، بل يجب النظر إليها كإشارة تحذير. فسلامة المنظومة الفلاحية لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضا بجودة ما يُزرع وما يُستهلك.
المطلوب اليوم ليس فقط معاقبة المتورطين، بل بناء منظومة متكاملة تضمن الشفافية في السوق، وتحمي الفلاح من الغش، وتطمئن المستهلك على ما يصل إلى مائدته.
لأن الفلاحة ليست مجرد قطاع اقتصادي…
بل هي مسألة أمن غذائي، وصحة عامة، وثقة بين الدولة والمجتمع.