امتلاء السدود في المغرب فوق 71 في المائة… انفراج مائي مهم، لكن الحذر ما يزال واجبا

بعد سنوات طبعها القلق، وعناوين متكررة عن الإجهاد المائي والجفاف وتراجع المخزون، عاد ملف الماء في المغرب هذا الأسبوع إلى واجهة النقاش من زاوية مختلفة تماما. الأرقام التي كشفتها وزارة التجهيز والماء، والمتعلقة بنسبة ملء السدود إلى حدود منتصف مارس 2026، لا يمكن قراءتها كمعطى تقني فقط، بل كمؤشر سياسي واقتصادي واجتماعي له دلالاته العميقة. حين تتجاوز نسبة الملء 71 في المائة، ويصل المخزون الإجمالي إلى أكثر من 12.3 مليار متر مكعب، فإن المغرب لا يستعيد فقط جزءا من أمنه المائي، بل يستعيد أيضا هامشا من الطمأنينة بعد مرحلة كانت فيها لغة التقشف المائي هي السائدة.
المعطى الأهم في هذه الأرقام لا يتمثل فقط في ارتفاع النسبة، بل في الفارق الكبير مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، حين كانت السدود عند مستوى يقارب 32 في المائة فقط. هذا الفرق لا يعكس تحسنا عاديا، بل يعكس موسما استثنائيا من حيث التساقطات المطرية والثلجية، خاصة في الأحواض الشمالية والوسطى. وهذا ما يفسر لماذا عادت بعض السدود إلى نسب امتلاء مرتفعة جدا، وكيف استعادت أحواض كانت تعيش وضعا حرجا جزءا من توازنها.
لكن، ورغم هذا الانفراج، فإن القراءة الجادة لهذا التطور لا ينبغي أن تقع في فخ النشوة السريعة. صحيح أن الأرقام مريحة، وصحيح أن بعض المدن والجهات خرجت من منطقة الخطر المباشر، لكن ذلك لا يعني أن المغرب حسم معركته مع الندرة المائية. لأن الأزمة، في أصلها، ليست فقط أزمة سنة جافة أو سنة ممطرة، بل أزمة بنيوية ترتبط بطريقة تدبير المورد المائي في بلد يعيش تحت ضغط مناخي متزايد.
ما تكشفه هذه الأرقام هو أن الطبيعة منحت المغرب فترة تنفس ثمينة، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا سنفعل بهذا النفس؟ هل سنعتبره فرصة لتثبيت سياسة مائية أكثر صرامة واستدامة، أم سنعود إلى منطق الاطمئنان المؤقت الذي ينتهي مع أول موسم ضعيف؟
الواقع أن التحسن الحالي يجب أن يُفهم باعتباره مكسبا يحتاج إلى حماية، لا رصيدا جاهزا للاستهلاك غير المحسوب. لأن التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الانتقال من الوفرة إلى الندرة قد يحدث بسرعة، خاصة في ظل اضطراب التساقطات، وتوالي سنوات الجفاف، وتغير البنية المناخية بشكل لم يعد يسمح بالاعتماد فقط على الأمطار كضمانة دائمة.
ومن هنا تبرز أهمية ما أشارت إليه بعض القراءات المواكبة لهذا التطور: استمرار مشاريع تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض، وتحديث شبكات التوزيع، ومراقبة الاستهلاك الفلاحي والصناعي، كلها لم تعد ترفا سياسيا أو تقنيا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. لأن الأمن المائي لا يُقاس فقط بما يوجد داخل السدود اليوم، بل بقدرة الدولة على ضمان استمرارية التزويد حين تتراجع التساقطات من جديد.
الأهمية السياسية لهذه الأرقام كبيرة أيضا. فهي تمنح الحكومة هامشا أكبر في تدبير الماء الشروب، وتخفف الضغط عن بعض القطاعات، خاصة الفلاحة التي عانت خلال السنوات الماضية من تقلص المساحات المزروعة ومن ضبابية مرتبطة بالمواسم. كما أن هذا التحسن يعيد الأمل إلى عدد من المناطق التي كانت تعيش على وقع الترقب، خاصة في الأحواض التي استعادت جزءا مهما من توازنها مثل سبو وأبي رقراق وأم الربيع وسوس ماسة.
غير أن هذا الجانب الإيجابي لا يجب أن يحجب سؤال العدالة المائية. لأن وفرة المخزون على المستوى الوطني لا تعني بالضرورة أن كل المناطق ستشعر بنفس الدرجة من الانفراج. هناك دائما تفاوتات بين الأحواض، وبين المدن والقرى، وبين القطاعات المستهلكة للماء. وهذا ما يجعل التحدي المقبل ليس فقط في الحفاظ على المياه، بل في توزيعها بشكل عقلاني ومنصف.
في العمق، ما يتيحه هذا الموسم المائي الجيد هو فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات. فالمرحلة السابقة كانت مرحلة تدبير أزمة، أما المرحلة الحالية فيفترض أن تكون مرحلة بناء مناعة مائية طويلة المدى. والمناعة هنا لا تعني فقط تخزين المياه، بل أيضا إصلاح أنماط الاستهلاك، ومحاربة الهدر، وفرض رؤية أكثر وضوحا في العلاقة بين الماء والفلاحة والتوسع الحضري والتنمية الصناعية.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى الاحتفال بالماء فقط، بل إلى التفكير فيه ببرودة استراتيجية. لأن أخطر ما يمكن أن يقع بعد سنة جيدة هو العودة إلى العادات القديمة نفسها، وكأن الخطر انتهى. والحال أن الخطر لم ينته، بل تراجع مؤقتا.
الخلاصة أن ارتفاع نسبة ملء السدود إلى أكثر من 71 في المائة خبر إيجابي بكل المقاييس، ويمنح البلاد دفعة قوية على مستوى الأمن المائي والاستقرار الاقتصادي. لكنه، في الوقت نفسه، اختبار سياسي حقيقي: هل سنتعامل مع هذه الوفرة كاستراحة قصيرة، أم كفرصة لبناء سياسة مائية أكثر نضجا وصرامة؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان هذا الموسم مجرد انفراج عابر… أو بداية تحول حقيقي في تدبير الماء بالمغرب.