البيئة والمجالالماء والموارد الطبيعية

من “إرهابي مائي” إلى نوبل المياه: قصة عالم إيراني تكشف أزمة العالم الخفية

جاري التحميل...
/

المدينة العربية: جهان بن جلون _وكالات

في زمنٍ تتسارع فيه الحروب على الأرض والحدود، يظهر صراع آخر أكثر هدوءاً… لكنه أكثر خطورة: صراع الماء. وفي قلب هذا الملف، يبرز اسم العالم الإيراني كاوه مدني، الذي انتقل من الاتهام بـ”الإرهاب المائي” داخل بلده، إلى التتويج بجائزة ستوكهولم للمياه، المعروفة بـ”نوبل المياه”، في مفارقة تكشف أكثر مما تحكي.

القصة هنا ليست فقط قصة عالم نجح رغم المنفى، بل قصة علمٍ يصطدم بالسياسة. فمدني لم يُكرّم لأنه اكتشف مورداً جديداً، بل لأنه قال شيئاً غير مريح: العالم لا يعيش “أزمة مياه”… بل دخل مرحلة الإفلاس المائي.

هذا التحول في المفهوم ليس لغوياً فقط، بل يعكس تغييراً جذرياً في فهم المشكلة. فالأزمة يمكن تجاوزها، أما الإفلاس فيعني أن النظام نفسه انهار، وأن العودة إلى الوضع السابق لم تعد ممكنة. بمعنى آخر، نحن لا نواجه نقصاً مؤقتاً، بل خللاً بنيوياً في طريقة إدارة أحد أهم موارد الحياة.

ما يجعل هذه الفكرة أكثر إزعاجاً هو أنها لا تخص دولة بعينها. صحيح أن إيران تُعد مثالاً صارخاً، حيث أدى سوء تدبير الموارد المائية إلى احتجاجات وانقطاعات متكررة، لكن الصورة العالمية ليست أفضل بكثير. أنهار تجف، مياه جوفية تُستنزف، ومدن كبرى تقترب من حافة العطش.

في هذا السياق، يصبح الماء ليس فقط مسألة بيئية، بل قضية سياسية وأمنية. فالدول التي تفشل في إدارة مواردها المائية لا تواجه فقط أزمة داخلية، بل تدخل أيضاً في توترات إقليمية، خاصة حين تكون الموارد مشتركة. وهنا، يتحول الماء إلى عامل استقرار أو انفجار.

مدني، الذي اعتمد على إدخال “نظرية الألعاب” في تحليل سلوك المستهلكين والفاعلين، يقدّم قراءة مختلفة: المشكلة ليست في قلة الموارد فقط، بل في غياب الثقة. حين لا يثق المزارع في التزام الآخرين، يستهلك أكثر، وحين تفكر الدول بنفس المنطق، تبدأ سباقات الاستنزاف. النتيجة معروفة: الجميع يخسر.

هذا الطرح يعيدنا إلى سؤال أكبر: هل يمكن حل أزمة الماء بالتكنولوجيا فقط؟ الجواب، وفق هذا المنظور، هو لا. لأن المسألة في جوهرها اجتماعية وسياسية قبل أن تكون تقنية. بدون حكامة عادلة، وثقة بين الفاعلين، وأفق مشترك، تتحول كل الحلول التقنية إلى مجرد تأجيل للأزمة.

في العالم العربي، تبدو هذه الإشكالية أكثر حدة. مدن تتوسع بسرعة، طلب متزايد على الماء، وتغيرات مناخية تضغط على الموارد المحدودة أصلاً. ومع ذلك، لا تزال سياسات الماء في كثير من الأحيان تُدار بمنطق قصير المدى، دون رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

تكريم مدني اليوم ليس فقط اعترافاً بمسيرته، بل هو أيضاً رسالة تحذير. فالعالم، كما يقول، دخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد السؤال هو كيف نواجه أزمة الماء، بل كيف نتعامل مع واقع أصبح فيه المورد نفسه مهدداً بالانهيار.

في النهاية، قد لا تكون الحروب القادمة فقط على الأرض أو الطاقة…
بل على الماء.

وحين يصل العالم إلى هذه المرحلة، لن يكون هناك فائز حقيقي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...