OCP يوسع إعادة استعمال المياه العادمة.. رهان صناعي أخضر بين الندرة المائية والسيادة الإنتاجية

في سياق مغربي تطبعه ندرة المياه وارتفاع الضغط على الموارد الطبيعية، يواصل المجمع الشريف للفوسفاط توسيع رهانه على الموارد المائية غير التقليدية، واضعا الاستدامة في قلب نموذجه الصناعي. فالمجمع، عبر شركة “OCP Green Water”، لا يكتفي برفع مردودية إنتاجه المنجمي والصناعي، بل يسعى أيضا إلى تقليص استهلاك المياه التقليدية، وتحويل المياه العادمة إلى مورد استراتيجي يخدم الصناعة ويحمي البيئة في الآن نفسه.
هذا التوجه لا يعكس فقط اختيارا تقنيا. بل يكشف أيضا عن تحوّل أعمق في فلسفة الإنتاج لدى واحد من أكبر الفاعلين الاقتصاديين في المغرب، في لحظة بات فيها الأمن المائي جزءا من الأمن الوطني، وباتت فيها الاستدامة شرطا للاستمرار أكثر من كونها مجرد واجهة مؤسساتية.
تعتمد الاستراتيجية المائية للمجمع على ثلاثة محاور واضحة: ترشيد استهلاك المياه، توسيع اللجوء إلى الموارد غير التقليدية، وتشجيع الابتكار والبحث العلمي. وتبرز محطة خريبكة لمعالجة المياه العادمة كواحدة من أهم تجليات هذا التوجه.
فمن خلال هذه المنشأة، يحول المجمع المياه المستعملة إلى مورد حيوي يعيد إدخاله في الدورة الصناعية. والنتيجة المباشرة هي تقليص الضغط على الموارد التقليدية، والحد من استنزاف المياه العذبة، مع تكريس منطق الاقتصاد الدائري داخل النشاط الصناعي.
هنا تكتسب المبادرة دلالة خاصة. فهي لا تتعلق فقط بمعالجة تقنية للمياه، بل بإعادة تعريفها من “عبء بيئي” إلى “مادة إنتاجية” قابلة للتثمين.
أنجزت مجموعة OCP ستة مشاريع لمحطات معالجة المياه العادمة بين سنتي 2022 و2023. ومن بين هذه المحطات، محطة بني ملال التي يصل إنتاجها السنوي إلى 9.5 ملايين متر مكعب، ومحطة الفقيه بن صالح بطاقة تبلغ 5 ملايين متر مكعب، إلى جانب محطات قصبة تادلة وآسفي ومراكش.
وقد رفعت هذه المشاريع القدرة الإنتاجية الإجمالية من 10 ملايين متر مكعب إلى 58 مليون متر مكعب سنويا. وهو تطور مهم يعكس تسارع الاستثمار في هذا الورش، ويؤكد أن المجمع لم يعد يتعامل مع معالجة المياه كحل تكميلي، بل كجزء مركزي من بنيته الصناعية.
بالتوازي مع هذا المسار، يواصل المجمع تعزيز استقلاله الطاقي عبر استثمارات في الطاقات المتجددة، معتمدا على الشمس والرياح لتقليص بصمته الكربونية والحد من التلوث الصناعي.
هذا الربط بين الماء والطاقة ليس تفصيلا ثانويا. لأن معالجة المياه العادمة تستهلك بدورها طاقة، ما يعني أن نجاح النموذج البيئي يتطلب انسجاما بين الموردين معا. ومن هنا تظهر أهمية هذا التوجه المزدوج، الذي يسعى إلى بناء نموذج صناعي يحافظ على تنافسيته، دون أن يواصل استنزاف البيئة بنفس المنطق التقليدي.
أوضح عبد الصمد شطابي، مدير مشاريع محطات معالجة المياه العادمة بشركة “OCP Green Water”، أن المجمع يضع تدبير الموارد المائية في صلب استراتيجيته الخضراء، بالنظر إلى الأهمية الحيوية للمياه في عمليات استخراج وغسل الفوسفاط.
وأشار إلى أن محطة خريبكة لمعالجة المياه العادمة أنتجت منذ انطلاقها سنة 2010 ما يقارب 70 مليون متر مكعب من المياه المعالجة. وهو رقم يكشف حجم الدور الذي أصبحت تلعبه هذه البنية في تخفيف الضغط على الموارد التقليدية، خاصة في منطقة منجمية تعرف طلبا مرتفعا على المياه.
ضمن هذا التوسع، دخلت محطات أخرى مرحلة الاستغلال الفعلي، من بينها محطة الفقيه بن صالح بطاقة 5 ملايين متر مكعب سنويا، ومحطة قصبة تادلة بسعة تبلغ مليوني متر مكعب.
وفي الآن نفسه، يشتغل المجمع على مشروع نقل المياه المحلاة من محطة الجرف الأصفر عبر أنبوب يمتد على طول 200 كيلومتر. ويهدف هذا المشروع إلى جعل المواقع المنجمية في خريبكة والكنتور، والمنشآت الصناعية بالجرف وآسفي، تعتمد بشكل كامل على موارد مائية غير تقليدية.
هذا المعطى مهم جدا. لأنه يعكس انتقال المجمع من منطق “التخفيف من الاستهلاك” إلى منطق “إعادة بناء منظومة التزود بالماء” على أسس جديدة، أقل ارتباطا بالموارد الطبيعية التقليدية وأكثر انسجاما مع واقع الشح المائي.
بحسب المعطيات المقدمة، لا تقتصر فوائد هذه المشاريع على تلبية حاجيات النشاط الصناعي. فهي تمنع أيضا تسرب المياه العادمة غير المعالجة إلى الطبيعة، وتساهم في حماية التوازنات البيئية. كما يستخدم المجمع المياه المعالجة في العمليات المنجمية والصناعية، وفي سقي المساحات الخضراء، بعد إخضاعها لمعايير معالجة صارمة تشمل الفلترة بالكلور والأشعة فوق البنفسجية.
لكن، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يظل النقاش مفتوحا حول نقطة أساسية: إلى أي حد يمكن لهذا النموذج أن يتوسع على المستوى الوطني، خارج الفاعلين الصناعيين الكبار؟ فنجاح تجربة مجمع بحجم OCP لا يعني تلقائيا أن كل القطاعات أو المدن تملك نفس الإمكانيات المالية والتقنية لتبني المسار نفسه.
وهنا تحديدا يظهر البعد السياسي والاقتصادي للموضوع. لأن قضية الماء في المغرب لم تعد قضية قطاعية، بل صارت قضية بنيوية تتطلب استثمارات كبرى، وحكامة دقيقة، وتنسيقا بين الدولة والجماعات والقطاع الخاص.
محطة خريبكة، التي بلغت استثماراتها نحو 224 مليون درهم، تعالج أكثر من 15 ألف متر مكعب من المياه يوميا. ومن المرتقب أن تنطلق أشغال التوسعة في الشطر الثالث من العام الجاري. ويأتي ذلك في إطار المخطط الاستثماري للمجمع للفترة 2023-2027، الذي يراهن على تحقيق التوازن المائي الإيجابي ورفع إنتاج الأسمدة بما يساهم في دعم الأمن الغذائي العالمي.
بهذا المعنى، لا يقدم المجمع نفسه فقط كفاعل صناعي يسعى إلى تحسين كفاءته، بل كجزء من معادلة أوسع تربط بين الماء والطاقة والإنتاج والسيادة الاقتصادية. وهي معادلة تزداد أهميتها كلما اشتدت الضغوط المناخية، وكلما صار تدبير الموارد شرطا للبقاء لا للتوسع فقط.
تكشف تجربة معالجة المياه العادمة داخل المجمع الشريف للفوسفاط أن الصناعة المغربية بدأت تتحرك، على الأقل في بعض القطاعات الكبرى، نحو نماذج أكثر وعيا بكلفة الماء والبيئة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في نجاح هذه المشاريع داخل مؤسسة قوية، بل في تحويل هذا التوجه إلى ثقافة اقتصادية وطنية أوسع.
ففي بلد يواجه ضغطا مائيا متزايدا، لن يكون السؤال في السنوات المقبلة: كم نستهلك من الماء؟ بل كيف ننتج ونعيش ونتوسع بأقل كلفة ممكنة على هذا المورد الحيوي.



