إعدامات في ظل الاحتجاجات: حين تتحول العدالة إلى أداة في معركة السلطة بإيران

المدينة العربية:وكالات
في خطوة تعكس تصعيداً داخلياً موازياً للتوترات الإقليمية، أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ أول أحكام إعدام مرتبطة بالاحتجاجات التي اندلعت أواخر عام 2025. ثلاثة أشخاص أُعدموا بتهم القتل والعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، في قضية تتجاوز بعدها القضائي لتكشف عن طبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد.
هذه الإعدامات لا يمكن قراءتها فقط كتنفيذ لأحكام قانونية، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة فرض السيطرة في سياق داخلي مضطرب. فالاحتجاجات التي بدأت بمطالب اجتماعية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، سرعان ما تحولت إلى تحدٍّ سياسي مباشر للنظام، ما دفع السلطة إلى الرد بأدوات أكثر صرامة.
اللافت في هذه القضية هو طبيعة التهم الموجهة، حيث تم الربط بين الاحتجاجات والعمل لصالح قوى خارجية. هذا الربط ليس جديداً في الخطاب الرسمي الإيراني، لكنه يكتسب اليوم بعداً أكثر حساسية، خاصة في ظل التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهنا، يصبح الخط الفاصل بين “المعارضة” و”التهديد الأمني” أكثر ضبابية.
في المقابل، تقدم منظمات حقوقية رواية مختلفة، تشير إلى أرقام أعلى بكثير لضحايا الحملة الأمنية، وتنتقد ما تعتبره توظيفاً للقضاء في سياق سياسي. وبين الروايتين، تتشكل صورة معقدة يصعب فيها الفصل بين الأمني والقضائي، وبين القانوني والسياسي.
ما يحدث في إيران اليوم يعكس معادلة معروفة في الأنظمة التي تواجه ضغوطاً متعددة: كلما تصاعد التهديد الخارجي، تزداد الصرامة في الداخل. فالحرب، أو حتى التهديد بها، تمنح السلطة مبررات إضافية لتشديد قبضتها، تحت عنوان حماية الأمن القومي. لكن هذا الخيار، رغم فعاليته على المدى القصير، يحمل في طياته مخاطر على المدى البعيد، خاصة إذا أدى إلى تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
اجتماعياً، تترك هذه الإعدامات أثراً يتجاوز الأفراد المعنيين، لتصل إلى المجتمع ككل. فهي ترسل رسالة واضحة حول حدود التعبير والاحتجاج، لكنها في الوقت نفسه قد تعمق الشعور بالاحتقان، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات.
سياسياً، تضع هذه التطورات إيران في دائرة انتقادات دولية متجددة، خصوصاً في ما يتعلق بسجل حقوق الإنسان. ردود الفعل الخارجية، مثل موقف السويد بعد إعدام أحد مواطنيها، تشير إلى أن الملف لن يبقى داخلياً، بل سيستمر في التأثير على علاقات طهران الدولية.
في العمق، تكشف هذه الأحداث عن إشكال أعمق: كيف يمكن للدولة أن توازن بين الأمن والاستقرار من جهة، وفتح المجال للتعبير والمعارضة من جهة أخرى؟ هذا السؤال لا يخص إيران وحدها، لكنه يتجلى فيها اليوم بشكل أكثر حدة.
إيران، وهي تواجه ضغوطاً خارجية متزايدة، تختار تشديد قبضتها في الداخل. لكن التاريخ يُظهر أن الاستقرار القائم على القوة وحدها يظل هشاً، ما لم يُدعَّم بقدرة حقيقية على استيعاب التوترات الاجتماعية والسياسية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بإعدامات أو احتجاجات، بل بمستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
وبين منطق الردع… ومنطق الاحتواء، تتحدد ملامح المرحلة القادمة.

