ثقافة وتراث

رحيل عبد الغني أبو العزم: خسارة ثقافية لواحد من كبار حراس اللغة والمعجم في المغرب

جاري التحميل...
/

برحيل الكاتب واللغوي المغربي عبد الغني أبو العزم، يفقد المشهد الثقافي المغربي اسما وازنا جمع بين السرد والترجمة والبحث المعجمي، وترك أثرا واضحا في الجامعة والدرس اللغوي والعمل الثقافي. فقد توفي يوم الأربعاء 18 مارس 2026 عن عمر ناهز 85 عاما، بعد معاناة طويلة مع المرض، وهو من مواليد مراكش سنة 1941.

لم يكن أبو العزم مجرد باحث أكاديمي منشغل بأسئلة اللغة من داخل قاعات الجامعة، بل كان واحدا من الأصوات التي اشتغلت على العربية من زوايا متعددة: الإبداع، والتحليل، والتحقيق، والترجمة، والمعجم. وهذا التنوع لم يكن زخرفا في المسار، بل كان تعبيرا عن وعي عميق بأن اللغة ليست أداة للتواصل فقط، بل وعاء للذاكرة والثقافة والتحولات الاجتماعية. وقد اشتغل أستاذا بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، وأسهم من موقعه العلمي في التكوين البيداغوجي وإثراء الدرس الجامعي.

في مجال السرد، ترك الراحل أعمالا تحمل نفسا توثيقيا وتأمليا، من أبرزها “الضريح” و**“الضريح الآخر”**، وهما جزءان من سيرة ذاتية روائية ترصد تجربة جيل كامل وتحولات مغربية اجتماعية وتاريخية، إلى جانب المجموعة القصصية “ظلال البيت القديم”. وفي هذا الجانب بالذات، لم يكن يكتب من هامش الواقع، بل من قلب التحول المغربي، حيث يتجاور الشخصي مع الجماعي، والذاكرة مع التاريخ.

أما في الترجمة والتحقيق، فقد ساهم مع أحمد شحلان في الترجمة العربية لكتاب حاييم الزعفراني “ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب”، وهو عمل له قيمته العلمية والثقافية في فهم أحد المكونات العميقة للهوية المغربية. كما حقق كتاب “أعز ما يطلب” للمهدي بن تومرت، في اشتغال يعكس اهتمامه بالنص التراثي وبإعادة تقديمه في صياغة علمية رصينة.

لكن الأثر الأبرز لعبد الغني أبو العزم يبقى في الحقل المعجمي، حيث راكم إصدارات متعددة من بينها “المعجم المدرسي أسسه ومناهجه” و**“المعجم الصغير”** و**“معجم تصريف الأفعال”** و**“المعجم اللغوي التاريخي، منهجه ومصدره”**، قبل أن يتوج هذا الجهد بعمله المعجمي الخاص “الغني الزاهر” في أربعة مجلدات. كما ترأس الجمعية المغربية للدراسات المعجمية، ما جعله من أبرز الوجوه التي اشتغلت على سؤال المعجم في المغرب المعاصر.

هذا المسار يفسر لماذا كان رحيله خسارة تتجاوز اسم شخص إلى قيمة رمزية داخل الثقافة المغربية. فالراحل لم يكن حاضرا فقط كمؤلف، بل كأحد الذين دافعوا، عمليا، عن فكرة أن اللغة العربية تحتاج إلى جهد علمي متراكم، لا إلى خطابات انفعالية. لذلك بدا اشتغاله على المعجم نوعا من المقاومة الهادئة ضد التبسيط، وضد إفقار اللغة، وضد التعامل معها كتراث جامد بدل اعتبارها كيانا حيا يتطور ويحتاج إلى من يخدمه بعلم وصبر.

ولأن الثقافة لا تحفظ أسماءها الكبرى دائما بما يكفي، فإن رحيل عبد الغني أبو العزم يعيد طرح سؤال أوسع: كيف نتعامل في المغرب مع أعلام الفكر واللغة وهم أحياء، وكيف نؤرشف أثرهم بعد الرحيل؟ فمثل هذه الأسماء لا تُختزل في خبر نعي، بل تستحق أن تُقرأ من جديد، وأن يُعاد إدماج أعمالها في النقاش الثقافي والتربوي، لأنها جزء من الذاكرة الفكرية للمغرب الحديث.

وكان أبو العزم قد حصل على جائزة المغرب للكتاب في صنف الإبداع سنة 1996، في اعتراف بمساره الأدبي والثقافي. غير أن قيمة الرجل الحقيقية لا تختصرها الجوائز، بل ما تركه من أثر في الكتابة والمعجم والجامعة.

برحيله، يطوى فصل من فصول المثقف المغربي الذي جمع بين المعرفة الدقيقة والتواضع العلمي والعمل الهادئ. لكن الأثر، في مثل هذه الحالات، لا يختفي. يبقى في الكتب، وفي الطلبة، وفي اللغة نفسها، كلما استعادت شيئا من ذاكرتها.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...