المجتمع

ازدحام أسواق العيد في المغرب: حين يتحول التسوق إلى طقس اجتماعي مؤجل

جاري التحميل...
/

لا يكشف ازدحام أسواق العيد في المغرب فقط عن عادة استهلاكية موسمية، بل يفضح نمطا اجتماعيا ونفسيا متجذرا في طريقة تدبير المغاربة للمناسبات. فكل سنة، ومع اقتراب العيد أو رمضان أو الدخول المدرسي أو الأعراس، يتكرر المشهد نفسه: شوارع مكتظة، محلات ممتلئة، أعصاب متوترة، وسباق مع الوقت لاقتناء حاجيات كان بالإمكان شراؤها قبل أيام أو أسابيع. ومع ذلك، يصر كثيرون على التأجيل، وكأن الاستعداد للمناسبة لا يكتمل إلا حين يصبح تحت ضغط اللحظة الأخيرة.

القراءة السطحية لهذا السلوك تربطه فقط بالتسويف أو سوء التنظيم، لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدا. فالتأجيل هنا ليس دائما مجرد ضعف في تدبير الوقت، بل يحمل في داخله أبعادا نفسية واجتماعية وثقافية. هناك من يؤجل لأنه يعتقد أن الوقت ما زال متاحا، وهناك من يراهن على انخفاض الأسعار أو ظهور عروض أفضل، وهناك أيضا من لا يشعر بقيمة المناسبة إلا عندما يدخل فعليا في مناخها الجماعي الصاخب.

في هذا المعنى، لا يصبح التسوق مجرد فعل اقتصادي، بل يتحول إلى طقس اجتماعي. فاقتناء ملابس العيد أو مستلزمات رمضان في لحظة مبكرة قد يكون أكثر عقلانية، لكنه لا يمنح الإحساس نفسه بالمناسبة. المغاربة، في جزء مهم من سلوكهم الاستهلاكي، لا يشترون فقط الحاجة، بل يشترون أيضا الشعور المرتبط بها. ومن هنا تكتسب الأسواق المكتظة رمزية خاصة، لأنها لا توفر السلع فقط، بل تنتج الإحساس الجماعي بأن “العيد وصل فعلا”.

هذه الفكرة تفسر لماذا لا يبدو الازدحام، بالنسبة لكثيرين، مجرد عبء، بل جزءا من التجربة نفسها. فداخل الحشود، تنشأ مقارنة صامتة بين الناس، ويتحول الشراء إلى فعل مشترك تحكمه نظرة الجماعة أكثر مما تحكمه الحاجة الفردية. وهنا يظهر أثر الامتثال الاجتماعي بوضوح: الناس لا يتحركون فقط لأنهم يحتاجون، بل لأن الآخرين يتحركون أيضا. الجماعة تمنح السلوك شرعيته، بل تمنحه أحيانا معناه.

لكن هذا البعد الاجتماعي لا يلغي الجانب النفسي. فالتأجيل يمنح شعورا مؤقتا بالراحة، لأن الفرد يبعد عن نفسه عبء المهمة، ثم يعود في النهاية ليدفع الثمن مضاعفا: ضغط أكبر، وقت أقل، واختيارات أضيق. وبعض الأشخاص، في العمق، لا ينشطون إلا تحت ضغط الموعد النهائي، وكأن الاستعجال نفسه أصبح محفزا على الفعل. إنها مفارقة معروفة: ما يسبب التوتر هو نفسه ما يدفع إلى الإنجاز.

غير أن ما يبدو سلوكا عاديا يخفي أيضا أثرا اقتصاديا واضحا. فالتسوق في اللحظة الأخيرة لا يخدم المستهلك دائما، بل يفيد السوق أكثر. حين يرتفع الطلب فجأة وتشتد المنافسة على السلع، تصبح القدرة على المقارنة أقل، ويضعف التفاوض، ويرتفع احتمال الشراء المتسرع. وهكذا يتحول التأجيل من عادة فردية إلى آلية غير مباشرة تغذي الاستهلاك غير العقلاني.

الأمر لا يتعلق فقط بثقافة الاستهلاك، بل أيضا بثقافة الزمن. فالمجتمع الذي يؤجل باستمرار لا يعيش المناسبة بهدوء، بل يستقبلها غالبا في حالة استنفار. وهذا ما يجعل لحظات يفترض أن تكون مرتبطة بالفرح والطمأنينة، تتحول إلى مواسم للضغط العصبي والتعب. العيد، الذي يفترض أن يفتح المجال للسكينة والدفء الأسري، يبدأ عند كثيرين من أبواب الزحام والارتباك والإنفاق غير المحسوب.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط اختزال الظاهرة في “عقلية مغربية” فقط، لأن جزءا منها مرتبط أيضا بعوامل مادية حقيقية. فهناك أسر تؤجل الشراء لأن دخلها لا يسمح بالتبضع المبكر، أو لأنها تنتظر نهاية الشهر أو تحسن وضع مالي مؤقت. لكن حتى حين يكون العامل المادي حاضرا، فإن البعد الرمزي والاجتماعي يظل قويا، ويمنح هذا السلوك استمراريته من سنة إلى أخرى.

ما تكشفه أسواق العيد، في النهاية، ليس فقط ميل المغاربة إلى التسوق في الدقيقة التسعين، بل طريقة خاصة في عيش الزمن والمناسبة والجماعة. فهنا لا يتم شراء الملابس أو الحاجيات فقط، بل يُعاد إنتاج معنى العيد نفسه داخل الفضاء العام، وسط الحشود، والانتظار، والانفعال الجماعي.

السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا يؤجل المغاربة التسوق؟
بل: لماذا لا تكتسب المناسبة معناها الكامل، عند كثيرين، إلا عندما تمر عبر بوابة الازدحام؟

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...