
ليست هذه مجرد واقعة عابرة، ولا خبرًا يمكن أن يُطوى في زحمة الأخبار اليومية. ما جرى في خنيفرة، حيث اضطرت فتاة قاصر إلى وضع جنينها في الشارع بعد صرفها من المستشفى الإقليمي، يكشف عن تصدع عميق في واحدة من أكثر الخدمات حساسية: الحق في العلاج.
القصة كما رُويت، صادمة في تفاصيلها وبسيطة في مأساويتها. فتاة في حالة مخاض، تصل إلى المستشفى في ساعات الفجر، تتألم، تنتظر، ثم تُفحص بشكل سريع، ليُقال لها إن الأمر “مجرد فيروس”، وتُطلب منها المغادرة. وعندما حاولت التمسك بحقها في التشخيص، اصطدمت بشرط الأداء المالي، الذي لم تكن قادرة عليه. النتيجة كانت قاسية: ولادة في الشارع، وجنين ميت.
هنا، لا يتعلق الأمر بخطأ طبي فقط، بل بمنظومة كاملة من الأعطاب المتراكمة. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: من أخطأ؟ بل: كيف وصلنا إلى وضع تصبح فيه “القدرة على الدفع” شرطًا ضمنيًا لتلقي الرعاية في لحظة تهدد الحياة؟
المستشفى العمومي في المغرب، كما في العديد من المناطق، يعيش ضغطًا هائلًا: نقص في الموارد البشرية، اكتظاظ، ضعف التجهيزات، وتراكم ملفات المرضى. لكن هذه التحديات، مهما كانت، لا يمكن أن تبرر التخلي عن الحالات المستعجلة، ولا أن تتحول إلى ذريعة لفرز المرضى وفق معايير اجتماعية أو مالية.
الخطير في هذه الواقعة هو ذلك التداخل بين الإهمال والتقدير الخاطئ للحالة، وبين ما يشبه “بيروقراطية الألم”. حين تُطلب من امرأة في حالة مخاض إجراءات إدارية أو أداء مالي قبل التأكد من وضعها الصحي، فنحن لا نتحدث فقط عن خلل إداري، بل عن فقدان للبوصلة الأخلاقية داخل المرفق.
ثم هناك بعد آخر لا يقل أهمية: هشاشة الفئات الأكثر عرضة للخطر. نحن أمام قاصر، في وضعية اجتماعية صعبة، بلا سند، بلا صوت قوي يدافع عنها داخل المؤسسة. وهذا ما يجعل مثل هذه الحالات أكثر عرضة للتجاهل أو التقليل من خطورتها. في النهاية، الفقر لا يقتل فقط بسبب قلة الموارد، بل أحيانا بسبب طريقة التعامل معه داخل المؤسسات.
فتح تحقيق في هذه الواقعة خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي. لأن التحقيقات، مهما كانت نتائجها، غالبًا ما تنتهي عند تحديد المسؤوليات الفردية، بينما يبقى الخلل البنيوي قائمًا. ما يحتاجه هذا النوع من القضايا هو مساءلة أعمق: كيف يتم استقبال الحالات المستعجلة؟ ما هي البروتوكولات المعتمدة؟ هل هناك رقابة فعلية على طريقة التعامل مع المرضى؟ وهل يتم تقييم الأداء داخل هذه المؤسسات بناء على جودة الخدمة أم فقط على المؤشرات الإدارية؟
الأهم من ذلك، هو إعادة طرح سؤال الثقة. المواطن اليوم لا يبحث فقط عن العلاج، بل عن شعور بالأمان داخل المستشفى. أن يدخل وهو يعلم أن حالته ستؤخذ بجدية، وأن كرامته لن تكون محل تفاوض، وأن حياته ليست رهينة إجراء إداري أو مبلغ مالي.
ما حدث في خنيفرة يجب أن يُقرأ كإنذار، لا كحادثة معزولة. لأن أي نظام صحي يفقد قدرته على حماية الحالات الأكثر هشاشة، يفقد تدريجيا مبرر وجوده. الصحة ليست خدمة عادية، بل حق أساسي، وأي تراجع في هذا الحق ينعكس مباشرة على صورة الدولة نفسها في أعين مواطنيها.
في النهاية، القضية ليست فقط في إنصاف الضحية، بل في ضمان ألا تتكرر القصة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد مثل هذه المآسي، هو أن تتحول إلى “خبر آخر” نقرأه… ثم ننساه.

