في اليوم العالمي للمسرح.. بين إشعاع الخشبة المغربية وأزمة السياسات الثقافية

في 27 مارس من كل سنة، يحتفل العالم بـ“اليوم العالمي للمسرح”، وهو تقليد انطلق سنة 1962 من باريس مع افتتاح “مسرح الأمم”. ومنذ ذلك الحين، تحول هذا الموعد إلى لحظة رمزية لتقدير دور المسرح في نشر القيم الإنسانية وتعزيز الحوار بين الثقافات.
ويواكب هذا الاحتفاء إصدار رسالة سنوية يكتبها أحد أبرز المسرحيين في العالم، وقد كُلف بها هذه السنة الممثل الأمريكي ويليام دافو، في استمرار لتقليد يربط الفن بالتفكير في قضايا الإنسان.
لكن، في المغرب، لا يقتصر هذا اليوم على الاحتفاء فقط. بل يتحول أيضًا إلى مناسبة لطرح أسئلة عميقة حول واقع المسرح وآفاقه.
يعكس المسرح المغربي تاريخًا غنيًا ومتعدد الأشكال. فقد عرف المغاربة التعبير المسرحي عبر “الحلقة” و”الحكواتي” قبل أن يتعرفوا على القواعد الأكاديمية. كما برزت أشكال مثل “سلطان الطلبة” و”مسرح البساط” و”مسرح سيدي الكتفي”.
غير أن هذا الغنى التراثي يصطدم اليوم بواقع معقد. فبين تطور الإنتاجات الفنية وحضور الفرق المغربية في المهرجانات الدولية، تبرز تحديات بنيوية تعيق تطور القطاع.
يرى المسرحي عمر جدلي أن المسرح المغربي يقف عند مفترق طرق. فقد شهد خلال العقود الأخيرة تطورات مهمة، من بينها إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وبناء عدد من المسارح في مختلف المدن.
كما سجلت الفرق المغربية حضورًا لافتًا في مهرجانات عربية، وحصدت جوائز في محطات مهمة مثل قرطاج والإسكندرية.
لكن هذا التقدم لا يكفي، حسب جدلي. فهو يعتبر أن الإنتاج وحده لا يصنع مشهدًا مسرحيًا متكاملًا. بل يحتاج القطاع إلى مواكبة حقيقية، خاصة في مجالات التكوين والدعم.
يشدد الفاعلون المسرحيون على أن التكوين ما يزال محدودًا مقارنة بحجم المجتمع المغربي. لذلك، يدعو مهنيون إلى إحداث معاهد جهوية للتكوين المسرحي، وإدماج المسرح في المناهج الدراسية.
ويرى هؤلاء أن المسرح لا يقتصر على الترفيه، بل يساهم في تنمية الذوق الفني وتعزيز الوعي الجمالي لدى التلاميذ.
من جهة أخرى، يثير “قانون الفنان” جدلًا مستمرًا. فغياب النصوص التنظيمية، خاصة تلك المتعلقة بعقود العمل والحماية الاجتماعية، يضعف وضعية الفنانين.
ويؤكد مهنيون أن هذه المقتضيات تشكل أساس أي صناعة مسرحية حقيقية. وبدونها، يبقى القطاع هشًا ويعتمد بشكل شبه كلي على الدعم العمومي.
في المقابل، يسجل بعض الفاعلين تراجعًا واضحًا في المسرح المغربي خلال السنوات الأخيرة. ويربط الممثل والمخرج عبدو المسناوي هذا التراجع بالسياسات الثقافية الحالية.
ويعتبر أن محاولة فرض منطق “الصناعة الثقافية” دون توفير شروطها الأساسية لم تنجح. فالسوق المسرحي يحتاج إلى جمهور، وبنية تحتية، وقدرة شرائية، وهي عناصر ما تزال ضعيفة.
يعتمد المسرح المغربي بشكل كبير على دعم الدولة. وهذا الاعتماد يجعل الفرق المسرحية في وضع هش، خاصة عند تأخر الدعم أو تعثره.
كما يطرح هذا الوضع سؤالًا مهمًا: هل يمكن بناء صناعة مسرحية حقيقية دون تنويع مصادر التمويل؟
تعاني البنيات الثقافية بدورها من مشاكل واضحة. فقد أدى إغلاق بعض المعاهد والمراكز الثقافية إلى تقليص فرص التكوين والعرض المسرحي.
كما ساهم تحويل بعض الفضاءات الثقافية إلى قاعات غير مستغلة في إضعاف الدينامية المسرحية، خاصة في المدن التي كانت تعتمد على هذه الفضاءات.
يكشف واقع المسرح المغربي مفارقة واضحة. فمن جهة، توجد طاقات إبداعية وتجارب ناجحة. ومن جهة أخرى، تعيق الإكراهات البنيوية تحقيق نقلة نوعية في القطاع.
لذلك، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يستطيع المسرح المغربي التحول إلى صناعة ثقافية حقيقية، أم سيظل رهين دعم محدود وسياسات غير مكتملة؟
في اليوم العالمي للمسرح، لا يكفي الاحتفاء بالخشبة. بل يجب إعادة التفكير في شروط تطويرها.
فالمسرح المغربي لا يحتاج فقط إلى دعم مالي، بل إلى رؤية شاملة تجمع بين التكوين، والبنيات، والتشريعات، وتحفيز الجمهور.
بدون ذلك، ستظل التجارب الناجحة استثناءات مضيئة داخل مشهد ثقافي يبحث عن توازن لم يتحقق بعد.


