مال وأعمال

نزاعات تجارية “مفبركة” تضع مستوردين مغاربة في مرمى مكتب الصرف

جاري التحميل...
/

فتحت معطيات جديدة مرتبطة بمراقبة معاملات الاستيراد بالمغرب بابا واسعا على شبهة تهريب أموال إلى الخارج، بعدما رصدت تحريات باشرها مراقبو مكتب الصرف ما وُصف بنزاعات تجارية “مفبركة” بين شركات استيراد مغربية ومصدرين أجانب، استُعملت كواجهة لتبرير تحويلات مالية مشبوهة خارج المملكة.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن هذه العمليات لم تكن مجرد اختلالات معزولة في تدبير ملفات الاستيراد، بل تعكس مؤشرات على لجوء بعض المستوردين إلى استغلال غير مشروع للتسهيلات التي تسمح بها منظومة الصرف، خاصة ما يتعلق بتسبيقات الاستيراد، من أجل إخراج العملة الصعبة تحت غطاء معاملات تجارية لا تستكمل وفق الشروط القانونية.

التحريات الجارية كشفت، وفق ما تم تداوله، عن تورط سبع شركات في تحويل مبالغ مهمة بدعوى أداء مقابل سلع وبضائع مستوردة، دون أن تواكب هذه التحويلات عمليات استيراد فعلية مكتملة داخل الآجال المحددة. كما قادت الأبحاث، بتنسيق مع إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، إلى رصد وثائق وفواتير صادرة عن شركات أجنبية وُصفت بالوهمية، فضلا عن شبهات تضخيم لقيم الواردات بتواطؤ مع شركاء خارجيين، بهدف رفع سقف التحويلات.

المثير في هذا الملف أن بعض الفاعلين، بحسب المؤشرات نفسها، لم يكتفوا فقط بتحويل الأموال تحت غطاء الاستيراد، بل لجؤوا أيضا إلى افتعال نزاعات تجارية كوسيلة دفاعية لتبرير عدم إعادة الأموال المحولة أو عدم تسوية وضعية العمليات داخل الآجال القانونية. وهنا يتحول النزاع التجاري من آلية قانونية لحل الخلافات إلى أداة تمويه مالي، تُستعمل لإرباك مسارات التتبع والرقابة.

وتفيد المعطيات بأن قيمة المعاملات التي شملها التدقيق تجاوزت 78 مليون درهم، جرى تحويل نحو 23 مليون درهم منها على شكل تسبيقات استيراد إلى حسابات مصدرين بالخارج. وهي أرقام، إن تأكدت تفاصيلها النهائية، تعكس أن الأمر لا يتعلق فقط بمخالفة تقنية أو تأخير إداري، بل بشبهة منظمة تمس سلامة المعاملات التجارية والمالية، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى استغلال بعض الثغرات في منظومة تمويل الواردات.

من الناحية القانونية والتنظيمية، تخضع عمليات تمويل الواردات لقواعد واضحة ضمن التعليمات العامة لعمليات الصرف، التي تحدد سقف التسبيقات، وتفرض آجالا مضبوطة لاستكمال الاستيراد، مع إلزامية الإدلاء بوثائق الإثبات الجمركي. غير أن أي تلاعب في هذه المسطرة، سواء عبر تضخيم الفواتير أو التصريح بقيم غير حقيقية أو عدم استيراد البضاعة المصرح بها، يحول آلية تمويل التجارة الخارجية إلى قناة محتملة لتهريب الأموال.

اقتصاديا، تكمن خطورة هذه الممارسات في أنها لا تضرب فقط مبدأ الشفافية، بل تمس أيضا توازنات العملة الصعبة وثقة المؤسسات في الفاعلين الاقتصاديين. فكل تحويل مالي غير مبرر أو غير مرتبط بواردات حقيقية يضعف مصداقية المعاملات التجارية، ويزيد الضغط على منظومة المراقبة، كما يخلق منافسة غير عادلة بين المقاولات الملتزمة وتلك التي تبحث عن الربح عبر التحايل.

كما أن لجوء بعض الشركات، وفق ما تم رصده، إلى الاستعانة بخبراء دوليين في تسهيل حركة الأصول والتدفقات النقدية بين البنوك، يعكس مستوى أكثر تعقيدا في هذه العمليات، بما يوحي بأن الأمر قد يتجاوز مجرد مخالفات فردية إلى أساليب أكثر تنظيما واحترافية، هدفها تضليل أجهزة الرقابة وصناعة مبررات تقنية وقانونية لإخفاء الأثر الحقيقي للتحويلات.

اليوم، يبدو أن مكتب الصرف يتجه نحو تشديد الخناق على هذا النوع من الملفات، ليس فقط من خلال التتبع والرصد، بل أيضا عبر منح مهلة لتسوية طوعية لبعض الوضعيات وإعادة توطين الأموال المحولة. غير أن الرهان الحقيقي لا يقف عند حدود المعالجة الزجرية، بل يتطلب أيضا تقوية التنسيق بين مكتب الصرف والجمارك والبنوك والسلطات الضريبية، وتطوير أدوات الذكاء الرقابي القادرة على كشف الأنماط غير العادية في معاملات الاستيراد.

إن ملف النزاعات التجارية المفبركة يعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة في التجارة الخارجية، ويؤكد أن حماية الاقتصاد الوطني لا تمر فقط عبر تشجيع الاستثمار والانفتاح، بل أيضا عبر يقظة مؤسساتية صارمة تمنع تحويل التسهيلات القانونية إلى منافذ سرية لاستنزاف العملة وتهريب الأموال.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...