عربي ودولي

حزب “نماء” والوحدة المغاربية: خطاب سياسي يكسر صمت التفكك الإقليمي

جاري التحميل...
/

أعادت رئيسة حزب “نماء” الموريتاني زينب بنت التقي ملف الوحدة المغاربية إلى الواجهة. وجاء ذلك في لحظة تبدو فيها فكرة الاتحاد المغاربي أقرب إلى الذاكرة السياسية منها إلى مشروع قابل للتحقق. فقد دعت إلى تقوية العلاقات بين الرباط ونواكشوط، واعتبرت أن المنطقة تستفيد من الوحدة أكثر مما تستفيد من الانقسام. لذلك لا يبدو كلامها مجرد مجاملة دبلوماسية، بل موقفا سياسيا يطرح من جديد سؤالا قديما: لماذا فشل المغرب العربي في التحول إلى كتلة إقليمية حقيقية رغم ما يجمع دوله من تاريخ وجغرافيا ومصالح مشتركة؟

هذا الموقف يأتي في سياق إقليمي مأزوم. فالمنطقة تعيش منذ سنوات حالة شلل سياسي واضحة. وفي المقابل، يتجه العالم نحو التكتلات والتحالفات الكبرى. لهذا لم يعد الحديث عن الوحدة المغاربية مجرد حنين سياسي. بل صار مرتبطا مباشرة بسؤال القوة والموقع والمصالح. وفي عالم يتغير بسرعة، تبدو الدول التي تتحرك منفردة أقل قدرة على التأثير، وأكثر عرضة للضعف أمام التحولات الدولية.

الأهم في هذا التصريح ليس فقط دعمه للتقارب المغربي الموريتاني. الأهم أيضا هو وضوحه في ملف الصحراء. فعندما تعتبر رئيسة حزب موريتاني أن المنطقة ليست فيها مقومات لقيام “دولة سادسة”، فهي تتجاوز اللغة الرمادية التي طبعت مواقف عدد من الفاعلين في المنطقة. هنا لا يتعلق الأمر فقط برأي سياسي. بل برسالة مباشرة تقول إن استمرار هذا النزاع لا يخدم الاندماج الإقليمي، بل يكرس مزيدا من التفكك ويؤجل أي أفق حقيقي للتكامل.

لكن قيمة هذا الموقف لا تقف عند البعد الإقليمي وحده. فقد ربطت بنت التقي بين مشروعها الحزبي وبين “صناعة الوعي”. ورفضت اختزال السياسة في الانتخابات والاستحقاقات فقط. كما انتقدت ضعف اللامركزية في موريتانيا، واعتبرت أن الإدارة تحتاج إلى إصلاحات جريئة وإرادة حقيقية. وشددت أيضا على أولوية الاستثمار في الإنسان والتعليم. وهذا الربط مهم، لأنه يكشف أن الحديث عن الوحدة لا يمكن فصله عن إصلاح الداخل. فلا يمكن لأي مشروع إقليمي أن يقوم فوق بنى سياسية هشة أو إدارات عاجزة.

هنا تظهر المفارقة المغاربية بوضوح. فالجميع يتحدث عن الوحدة، لكن القليل فقط يربطها بشروطها الواقعية. فالاندماج يحتاج إلى إدارة فعالة، وتعليم قوي، وتوزيع عادل للسلطة، ونخب سياسية تشتغل بمنطق البناء لا بمنطق الصراع العقيم. ولا يمكن لمنطقة تعاني اختلالات داخلية عميقة أن تؤسس اتحادا مستقرا اعتمادا على الخطاب وحده.

في المقابل، تبدو الحاجة إلى هذا المشروع أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالمنطقة تواجه تحولات دولية كبرى، من اضطراب أسواق الطاقة إلى تحديات الأمن والهجرة والتنافس على الممرات التجارية. وفي عالم كهذا، تصبح الدول المتوسطة أضعف حين تتحرك منفردة. لذلك فإن أي صوت سياسي يذكر بضرورة الوحدة لا يستحضر الماضي فقط. بل يلامس أيضا سؤال المستقبل وموقع المنطقة في توازنات عالمية متغيرة.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أثر هذا النوع من التصريحات. فالوحدة المغاربية ليست رهينة الإرادة الخطابية وحدها. بل ترتبط أيضا بموازين قوى معقدة، وخلافات ممتدة، ومصالح متضاربة بين الدول. لهذا تبقى مثل هذه المواقف مهمة من حيث الدلالة السياسية والرمزية. لكنها لا تكفي وحدها لكسر الجمود، ما لم تتحول إلى توجهات أوسع داخل النخب والمؤسسات.

في النهاية، يعيد موقف حزب “نماء” طرح حقيقة بسيطة لكنها مزعجة. المغرب العربي لا ينقصه التاريخ المشترك، ولا اللغة، ولا المصالح. ما ينقصه فعلا هو القرار السياسي الشجاع. وبين خطاب الوحدة وواقع الانقسام، تستمر المنطقة في إهدار واحدة من أكبر الفرص الجيوسياسية في شمال إفريقيا.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...