نتنياهو يوسّع خطاب الحرب: من “صراع وجود” مع إيران إلى محاولة تدويل المواجهة

المدينة العربية: وكالات
يتجه التصعيد بين إسرائيل وإيران إلى مستوى أكثر اتساعا.
ولا يرتبط ذلك فقط بالضربات المتبادلة في العمق، بل أيضا باللغة السياسية التي بدأت ترافق الحرب.
في أحدث تصريحاته، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قادة دوليين إلى الانخراط في المواجهة ضد إيران. كما قدم الحرب باعتبارها “صراعا وجوديا” لا يخص إسرائيل وحدها، بل ما سماه “العالم الحر”.
هذا التحول في الخطاب لا يبدو تفصيلا عابرا.
بل يعكس محاولة واضحة لتوسيع المظلة السياسية والعسكرية للحرب.
اللافت أن نتنياهو لا يكتفي بتبرير العمليات العسكرية الجارية.
بل يسعى إلى نقل الصراع من إطاره الإقليمي إلى مستوى دولي أوسع.
وحين يقول إن إسرائيل لا تقاتل فقط من أجل نفسها، بل “بالنيابة عن العالم الحر”، فهو يحاول إعادة تسويق الحرب باعتبارها معركة دفاعية كونية.
أي إنه لا يقدمها كمواجهة مع خصم إقليمي فقط، بل كصراع يهم قوى دولية أوسع.
هذا النوع من الخطاب يظهر عادة حين تدرك القيادة السياسية أن الحسم العسكري وحده لا يكفي.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح الحاجة إلى شرعية خارجية إضافية أكثر وضوحا.
في المقابل، برز عنصر جديد في الخطاب الإسرائيلي.
فمسؤولون إسرائيليون حذروا من أن بعض الصواريخ الإيرانية باتت قادرة، نظريا، على الوصول إلى مسافات تتجاوز 4 آلاف كيلومتر.
هذا الطرح يضع أجزاء من أوروبا ضمن نطاق التهديد المحتمل.
لكن هذا الادعاء لم يمر دون تحفظ.
فبعض المواقف الغربية، ومنها موقف بريطاني معلن، أشارت إلى غياب أدلة مؤكدة على أن إيران تستهدف أوروبا بشكل مباشر في هذه المرحلة.
وهذا التباين مهم.
لأنه يكشف أن تل أبيب تحاول توسيع دائرة الخطر سياسيا، بينما لا تبدو كل العواصم الغربية مستعدة لتبني القراءة نفسها.
على الأرض، لا تزال الحرب تتحرك بمنطق الضربات المتبادلة في العمق.
إسرائيل تواصل استهداف مواقع داخل إيران.
وفي المقابل، ترد طهران بصواريخ ومسيرات تطال مدنا إسرائيلية ومناطق حساسة.
لكن هذا المستوى من التصعيد لم يعد يسمح بسهولة بالفصل بين العسكري والسياسي.
فكل ضربة جديدة تتحول إلى جزء من معركة أكبر.
وهي معركة تتعلق بمن يفرض الرواية، ومن ينجح في جر أطراف دولية إضافية إلى الصراع.
لهذا، فإن دعوة نتنياهو ليست فقط طلب دعم.
بل هي أيضا محاولة لرفع كلفة الحياد على شركائه الغربيين.
المشكلة أن توسيع الحرب سياسيا لا يعني بالضرورة توسيعها عسكريا بالسرعة نفسها.
فأوروبا، حتى الآن، تبدو أكثر حذرا من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ويرتبط هذا الحذر بعوامل كثيرة.
منها القلق من الطاقة، والملاحة، وتداعيات أي انفجار أوسع في الخليج.
كما أن الخطاب الإسرائيلي، الذي يربط بين الصواريخ الإيرانية وأمن أوروبا، قد يحقق أثرا إعلاميا.
لكنه لم يتحول بعد إلى إجماع أمني غربي معلن.
وهنا تظهر حدود الاستراتيجية الإسرائيلية.
فالقدرة على رفع منسوب الخوف لا تعني دائما القدرة على بناء تحالف حرب جديد.
في النهاية، يبدو أن نتنياهو يحاول نقل الحرب من مرحلة “إدارة التصعيد” إلى مرحلة “تدويل الضرورة”.
لكن نجاح هذا المسعى سيبقى رهينا بعاملين أساسيين.
الأول هو مدى استمرار الضربات الإيرانية وتأثيرها على الداخل الإسرائيلي.
والثاني هو مدى اقتناع القوى الغربية بأن الخطر الإيراني لم يعد إقليميا فقط.
وإلى أن يتضح ذلك، تبقى الحرب مفتوحة على معادلة شديدة الخطورة.
الميدان يتوسع.
والخطاب يزداد حدة.
أما الدبلوماسية، فتواصل التراجع إلى الخلف.

