مقالات رأي

مغاربة العالم والتمثيلية المؤجلة.. لماذا لا تزال الأحزاب عاجزة عن إدماج الجالية سياسيا؟

جاري التحميل...
/

يبدو أن الحديث عن مغاربة العالم في المغرب يشتد كلما اقتربت الانتخابات، ثم يخفت مباشرة بعد انتهائها. يتكرر الخطاب نفسه حول أهمية الجالية، ودورها الوطني، ومكانتها الاقتصادية، وارتباطها بالوطن. لكن حين نصل إلى لحظة التمثيل السياسي الحقيقي، يظهر الفراغ بوضوح. فالجالية التي يكثر الحديث عنها في الخطب والبرامج، تظل في الواقع خارج دوائر القرار، أو في أفضل الأحوال على هامشها.

هذه المفارقة لم تعد مجرد تفصيل سياسي عابر. لقد تحولت إلى علامة على عطب مستمر في نظرة الأحزاب إلى مغاربة العالم. فبدل التعامل معهم كامتداد بشري واستراتيجي للمغرب، ما تزال قطاعات واسعة من الفاعلين السياسيين تنظر إليهم بمنطق موسمي، أو بمنطق انتخابي ضيق، أو باعتبارهم رصيدا رمزيا أكثر منهم قوة اقتراح وتمثيل.

لا أحد يستطيع إنكار حجم الجالية المغربية المقيمة في الخارج، ولا وزنها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. هذه الجالية لم تعد مجرد كتلة من المهاجرين المرتبطين بالتحويلات المالية فقط، بل صارت تضم كفاءات عالية، وأطرًا علمية، وفاعلين اقتصاديين، ونخبًا شابة تعيش داخل بيئات ديمقراطية، وتراكم تجارب مهمة في التسيير والعمل العام والمجتمع المدني.

ورغم ذلك، ما يزال حضور هذه الفئة داخل المؤسسات المنتخبة ضعيفا جدا. وحتى حين يتم ترشيح بعض الأسماء من مغاربة العالم، فإن الأمر غالبا ما يبدو أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة. كما أن هذا الحضور لا يعكس لا حجم الجالية، ولا تنوعها، ولا القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها للحياة السياسية المغربية.

المشكلة هنا ليست في غياب الكفاءات. المشكلة في غياب الإرادة السياسية لتنظيم حضورها وضمان استمراره.

حين يُطرح سؤال ضعف تمثيلية مغاربة العالم، غالبا ما يتم ربطه بغياب دوائر انتخابية خاصة بهم أو بصعوبات تقنية مرتبطة بالتصويت من الخارج. وهذا صحيح جزئيا. لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فحتى داخل الإطار القانوني الحالي، كان بالإمكان أن تبادر الأحزاب إلى منح الجالية حضورا أقوى داخل لوائح الترشيح، وأن تدفع بكفاءات حقيقية إلى الواجهة، وأن تجعل من هذا الورش خيارا سياسيا واضحا.

غير أن ما نراه في كثير من الأحيان هو العكس. فالأحزاب لا تتحرك بمنطق بناء نخب جديدة من مغاربة العالم، بل بمنطق العلاقات الشخصية، والتوازنات الداخلية، والحسابات الانتخابية المحلية. ولهذا يصبح ترشيح مغاربة الخارج عملا انتقائيا، لا يخضع دائما لمعيار الاستحقاق ولا لمبدأ تمثيل الجالية كما ينبغي.

بمعنى أوضح، المشكل لا يكمن فقط في النصوص، بل في العقليات الحزبية نفسها.

المشاركة السياسية ليست مجرد وضع اسم أو اسمين من مغاربة العالم في بعض اللوائح. المشاركة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بحق هذه الفئة في التصويت المباشر، وفي الترشح العادل، وفي الوصول إلى البرلمان والمؤسسات المنتخبة باعتبارها جزءا أصيلا من الجسم الوطني.

لكن ما يحصل إلى اليوم هو نوع من التمثيلية الشكلية. يتم الحديث عن الجالية كثيرا، ويتم استحضارها في المناسبات، لكن دون ترجمة فعلية لهذا الخطاب في البنية السياسية والمؤسساتية. وهنا يظهر التناقض الكبير بين ما يتيحه الدستور من أفق سياسي لمغاربة العالم، وبين ما تسمح به الممارسة الحزبية والانتخابية على الأرض.

وهذا التناقض يخلق شعورا متزايدا لدى كثير من أفراد الجالية بأنهم مطلوبون اقتصاديا ورمزيا، لكنهم غير مرغوب فيهم سياسيا بالقدر نفسه.

صحيح أن غياب دوائر انتخابية خاصة بمغاربة العالم يمثل أحد أبرز مظاهر الخلل. وصحيح أيضا أن عدم فتح مكاتب تصويت بالخارج يضعف المشاركة ويجعلها معقدة أو محدودة. لكن اختزال كل الأزمة في هذا العامل وحده فيه نوع من التهرب من المسؤولية السياسية.

لماذا؟ لأن الأحزاب كان يمكنها، حتى دون هذا الإصلاح، أن تعطي إشارات قوية على انخراطها الجدي في هذا الملف. كان يمكنها أن تخصص مواقع متقدمة لكفاءات من الجالية داخل لوائحها المحلية والوطنية. وكان يمكنها أن تبني هياكل حزبية أكثر فاعلية في الخارج. وكان يمكنها أن تخلق قنوات تواصل دائمة مع مغاربة العالم، بدل الاكتفاء بزيارات موسمية وخطابات عامة.

حين تغيب هذه المبادرات، يصبح واضحا أن الأزمة ليست فقط أزمة قانون، بل أزمة إرادة.

هناك سبب آخر لا يقال كثيرا، لكنه حاضر بقوة. فعدد من الأحزاب لا يزال يتعامل بتحفظ مع كفاءات الجالية، لأنها لا تندرج دائما داخل الشبكات التقليدية للولاء الحزبي، ولا تنتمي بالضرورة إلى الثقافة السياسية المحلية نفسها. بعض أفراد الجالية يأتون بخلفيات مختلفة، وتجارب أخرى، ونظرة أكثر نقدية إلى التدبير العمومي وإلى الشفافية وإلى معنى العمل السياسي.

وهذا قد يربك بعض البنيات الحزبية التقليدية، التي اعتادت على إعادة إنتاج الوجوه نفسها، وعلى تدبير الترشيحات بمنطق التحكم أكثر من منطق الانفتاح.

لهذا السبب، لا يتعلق الأمر فقط بإقصاء صريح، بل أحيانا بنوع من التردد البنيوي تجاه فئة لا تستطيع الأحزاب التقليدية استيعابها بسهولة.

الفئة الأكثر تضررا من هذا الوضع هي شريحة الشباب المغربي المقيم بالخارج. فهؤلاء يعيشون في فضاءات سياسية ومدنية مختلفة، وقد يملكون حماسا للمشاركة وربط الجسور مع بلدهم الأصلي، لكنهم يصطدمون بعدة حواجز. منها اللغة أحيانا، ومنها ضعف التواصل الحزبي، ومنها أيضا غياب آليات واضحة تسمح لهم بفهم المشهد السياسي المغربي والانخراط فيه بشكل طبيعي.

والنتيجة أن جيلا كاملا قد يكبر وهو يشعر أن علاقته بالمغرب تظل ثقافية أو عاطفية أو عائلية، لكنها لا تجد ترجمتها السياسية الكاملة داخل المؤسسات.

هذا معناه أن المغرب لا يخسر فقط تمثيلية آنية، بل يخسر أيضا فرصة استراتيجية لبناء نخبة جديدة عابرة للحدود.

المثير في هذا الملف أن الخطاب الرسمي في المغرب كثيرا ما شدد على أهمية مغاربة العالم، وعلى ضرورة تقوية روابطهم بالوطن، وعلى دورهم في التنمية والإشعاع والدفاع عن المصالح العليا للبلاد. لكن داخل الحقل الحزبي، لا نجد دائما الأثر العملي الكافي لهذا التوجه.

وهنا تظهر مسافة واضحة بين التصور العام للدولة وبين الأداء الفعلي للأحزاب. فالدولة تبدو، على الأقل في خطابها، أكثر وعيا برهانات الجالية. أما الأحزاب، فما تزال متأخرة عن تحويل هذا الوعي إلى عرض سياسي وتنظيمي حقيقي.

وهذا التأخر يضعف الثقة، ويجعل الخطاب حول إشراك مغاربة العالم يبدو في كثير من الأحيان أقل من مستوى الانتظارات.

أول ما يجب أن يتغير هو نظرة الأحزاب نفسها إلى الجالية. المطلوب ليس استدعاء بعض الأسماء لتزيين اللوائح، بل بناء تصور سياسي جديد يعتبر مغاربة العالم جزءا من النخبة الوطنية، لا مجرد ملحق انتخابي.

ثانيا، لا بد من المرور إلى إصلاحات عملية. من بينها فتح نقاش جدي حول التصويت من الخارج، وإحداث صيغ قانونية أكثر إنصافا للتمثيلية، وتطوير آليات التواصل الحزبي والمؤسساتي مع الجالية على مدار السنة، لا فقط في موسم الانتخابات.

ثالثا، ينبغي الاستثمار في الشباب المغربي بالخارج، عبر التأطير، والتكوين، وخلق جسور مع الأحزاب والمؤسسات والجماعات الترابية، حتى لا يبقى هذا الجيل خارج المعادلة.

وأخيرا، يجب أن تفهم الأحزاب أن إشراك مغاربة العالم ليس هدية تقدمها لهم، بل استحقاق ديمقراطي ودستوري، ومصلحة وطنية في الوقت نفسه.

التمثيلية السياسية لمغاربة العالم ليست ملفا ثانويا، ولا مطلبا فئويا محدودا. إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام الحزبي المغربي على التطور والانفتاح ومصالحة خطابه مع ممارسته. فحين تعجز الأحزاب عن إدماج ملايين المغاربة المقيمين بالخارج في الحياة السياسية بشكل جدي، فهي لا تهمش الجالية فقط، بل تكشف أيضا حدود بنيتها التقليدية وعجزها عن استيعاب المغرب كما هو، لا كما تريد أن تراه.

لقد طال انتظار هذا الورش أكثر مما ينبغي. وما لم تنتقل الأحزاب من المجاملة السياسية إلى الإرادة الفعلية، فسيظل مغاربة العالم حاضرين في الخطاب، وغائبين في القرار.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...