تراجع مفرغات الصيد في السواحل المتوسطية للمغرب… مؤشرات مقلقة تضع القطاع أمام أسئلة الاستدامة والجدوى الاقتصادية

سجلت مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي على مستوى الموانئ وقرى الصيادين بالسواحل المتوسطية للمغرب تراجعا لافتا مع نهاية شهر فبراير 2026، في مؤشر يعكس وضعا يتجاوز مجرد الأرقام الظرفية، ويفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل قطاع الصيد البحري في الواجهة المتوسطية للمملكة.
فبحسب المعطيات الدورية الصادرة عن المكتب الوطني للصيد البحري، بلغت الكمية المفرغة خلال الشهرين الأولين من السنة الجارية نحو 2926 طنا، أي بانخفاض قدره 17 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. ولم يقف التراجع عند حدود الكميات فقط، بل شمل أيضا القيمة التجارية للمفرغات، التي هبطت بنسبة 25 في المائة لتستقر عند حوالي 146,11 مليون درهم، مقابل 193,59 مليون درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
هذا التراجع ليس معطى تقنيا بسيطا، بل يحمل في طياته دلالات اقتصادية واجتماعية واضحة، خاصة إذا استحضرنا أن السواحل المتوسطية المغربية تمتد من طنجة غربا إلى السعيدية شرقا، وتحتضن عددا مهما من الموانئ الصغيرة وقرى الصيادين التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على نشاط الصيد في تحريك الدورة المحلية.
قراءة الأرقام حسب الأصناف تكشف تفاوتا في الوضعية. فمفرغات الأسماك السطحية سجلت استقرارا شبه تام، بينما حققت الأسماك البيضاء نموا ملحوظا بنسبة 73 في المائة من حيث الحجم، مع ارتفاع في القيمة بنسبة 24 في المائة. غير أن هذا التحسن لم يكن كافيا لتعويض التراجع الحاد في الرخويات، التي هبطت كمياتها بنسبة 35 في المائة، وتراجعت قيمتها التجارية بنسبة 31 في المائة، إضافة إلى انخفاض صيد القشريات من حيث الحجم والعائدات.
وهنا يظهر جوهر الإشكال. فالرهان الاقتصادي في هذا القطاع لا يقوم فقط على الكمية، بل أيضا على تركيبة المصطادات. حين تتراجع أصناف ذات قيمة سوقية مرتفعة مثل الرخويات والقشريات، فإن الأثر يكون مباشرا على المداخيل، حتى لو حافظت بعض الأصناف الأخرى على استقرارها أو سجلت نموا نسبيا. وهذا ما يفسر كيف أن القيمة التجارية هبطت بوتيرة أكبر من تراجع الكميات.
لكن هذا الخبر يطرح أسئلة أعمق من مجرد أداء ظرفي خلال شهرين. هل نحن أمام تقلب موسمي عادي، أم أمام مؤشرات أكثر بنيوية ترتبط بضغط الاستغلال، وتغير الظروف البيئية، وتراجع المخزون البحري لبعض الأصناف؟ كما يطرح السؤال حول مدى قدرة الصيد الساحلي والتقليدي على الصمود في ظل ارتفاع تكاليف المحروقات والتجهيزات والصيانة، وهي عوامل تضغط على البحارة والمهنيين حتى في الفترات التي تكون فيها المفرغات مستقرة.
وإذا كانت الأرقام الوطنية تشير إلى تراجع حجم المصطادات المسوقة بنسبة 18 في المائة مع ارتفاع في القيمة الإجمالية بنسبة 3 في المائة، فإن الوضع في الواجهة المتوسطية يبدو أكثر حساسية، لأن هذا المجال البحري يرتبط بنظام إيكولوجي دقيق، وبقدرة استيعابية أقل مقارنة ببعض المصايد الأطلسية.
في المحصلة، لا ينبغي التعامل مع هذا التراجع فقط باعتباره خبرا قطاعيا عابرا، بل كإشارة تستدعي اليقظة. فالقطاع يحتاج إلى أكثر من تتبع إحصائي؛ يحتاج إلى رؤية توازن بين الاستغلال الاقتصادي وحماية الثروة البحرية، وبين دعم المهنيين وضمان استدامة النشاط. لأن البحر، مثل أي مورد طبيعي، لا يعطي إلى ما لا نهاية إذا لم يُدبَّر بعقلانية وبعد نظر.
