ارتفاع أسعار الدجاج قبل العيد… السوق تحت ضغط الطلب، لكن الأزمة أعمق من “الشناقة”

قبل أقل من أسبوع على عيد الفطر، عادت أسعار الدجاج في المغرب إلى الواجهة، بعد تسجيل ارتفاعات جديدة على مستوى الضيعات ونقط البيع، في مشهد يتكرر كلما اقتربت المناسبات التي يرتفع فيها الاستهلاك. وبحسب معطيات مهنية متداولة، قفز سعر الدجاج في الضيعات خلال منتصف مارس بنحو درهمين إلى ثلاثة دراهم للكيلوغرام، بعدما كان في حدود 12 درهما، ليصل في بعض الحالات إلى 15 و15.5 درهما، مع توقع استمرار الضغط خلال الأيام التي تسبق العيد.
في القراءة السريعة، يبدو التفسير جاهزا: الطلب ارتفع بشكل مفاجئ، وبالتالي ارتفع السعر. وهذا صحيح جزئيا، لأن السوق في هذا التوقيت تتحرك فعلا تحت تأثير الاستهلاك الموسمي، ولأن سلوك الشراء الجماعي في الأيام الأخيرة من رمضان يخلق اختلالا فوريا بين الطلب والعرض. لكن الاكتفاء بهذا التفسير يظل ناقصا، لأنه يخفي عناصر أعمق تجعل سوق الدواجن في المغرب أكثر هشاشة مما يبدو.
المهنيون أنفسهم لا يربطون الارتفاع فقط بالإقبال الاستثنائي قبل العيد، بل يشيرون أيضا إلى اختلالات في المنبع، خاصة ما يتعلق بكلفة الكتكوت والأعلاف. فحسب تصريحات مهنية سابقة هذا العام، لم يكن قطاع الدواجن يعيش استقرارا فعليا حتى قبل هذه الموجة، بل كان يتحرك بين ارتفاعات وانخفاضات مرتبطة بتموين الأعلاف، وتكاليف الإنتاج، وجودة السلالات، وتذبذب العرض في بعض الفترات. ففي أواخر فبراير، كان مهنيون يتحدثون عن تفاوتات لافتة في أسعار الدجاج بين المدن، وعن استمرار الضغط الناتج عن كلفة الإنتاج رغم تراجع بعض الأثمان حينها.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: المستهلك يرى السعر النهائي فقط، بينما يرى المنتج أن السوق لا تعكس دائما توازنا عادلا بين الكلفة الحقيقية وثمن البيع. هذا التباين في الرؤية يجعل كل طرف يشعر بأنه المتضرر الأكبر. المواطن يشتكي من الغلاء، والكساب أو المربي يشتكي من الأعلاف والكتاكيت والنقل، وفي الوسط تشتغل حلقات الوساطة والتوزيع بهامش واسع من التأثير.
صحيح أن “الشناقة” والوسطاء يستفيدون عادة من لحظات الذروة، لكن اختزال الأزمة فيهم وحدهم يظل تبسيطا مريحا. لأن المشكل الحقيقي يبدو بنيويا أكثر: سوق تعتمد على دورة إنتاج لا يمكن تسريعها فجأة، ومنظومة توزيع لا تستوعب دائما الضغط الموسمي، وكلفة إنتاج ظلت مرتفعة في الأشهر الماضية. هذه العوامل مجتمعة تجعل أي زيادة مفاجئة في الطلب تتحول مباشرة إلى زيادة في الثمن، بدل أن تمتصها السوق بشكل مرن.
كما أن ما يحدث في الضيعات لا يبقى محصورا فيها. فكل درهم إضافي في المنبع ينتقل، بدرجات مختلفة، إلى محلات التقسيط، ثم إلى المستهلك النهائي. وهذا ما يجعل المواطن يعيش الإحساس بأن أسعار اللحوم البيضاء لم تعد فعلا “البديل الأقل كلفة” كما كانت في السابق، خصوصا في ظرف اجتماعي يتسم أصلا بضغط المعيشة وارتفاع أسعار مواد أخرى. وقد رافق غلاء الدواجن خلال هذا الشهر استياء واضح في النقاش العمومي، ما يعكس أن المسألة لم تعد مجرد تقلب موسمي بسيط.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط لماذا ارتفع السعر الآن، بل لماذا تظل السوق نفسها عاجزة عن امتصاص هذا النوع من الصدمات المتكررة؟ إذا كانت وفرة العرض موجودة كما يقال في بعض الفترات، فلماذا لا ينعكس ذلك دائما على استقرار مستدام؟ وإذا كان الضغط اللوجستيكي عاملًا حاسما، فلماذا لا تُبنى آليات استباقية للتعامل مع مواسم الذروة، بدل ترك السوق لمنطق الاندفاع والطلب المفاجئ؟
في العمق، يبدو أن قطاع الدواجن في المغرب يحتاج إلى ما هو أكثر من التهدئة الخطابية والدعوات إلى عدم التهافت. يحتاج إلى رؤية أوضح لتنظيم حلقات الإنتاج والتوزيع، وضبط المدخلات الأساسية، وتقليص الهشاشة التي تجعل السوق تقفز مع كل مناسبة. لأن الاكتفاء بشرح الغلاء بمنطق العرض والطلب، دون معالجة الأسباب التي تجعل العرض نفسه هشّا أمام أي ضغط، يعني أننا سندور في الحلقة نفسها كل موسم.
في النهاية، ما يحدث قبل عيد الفطر ليس حادثة استثنائية، بل مرآة تعكس هشاشة توازن السوق. والرهان اليوم ليس فقط في خفض السعر لبضعة أيام، بل في بناء قطاع أكثر قدرة على حماية المنتج من الخسارة، والمستهلك من المفاجآت، والسوق من الاضطراب المتكرر.