الحكومة

إعادة إعمار الحوز.. الدولة تضخ مليارات الدراهم والرهان الآن على إنصاف المتضررين لا على لغة الأرقام فقط

جاري التحميل...
/

لم يعد ملف إعادة إعمار المناطق المنكوبة بزلزال الحوز مجرد ورش تقني لإصلاح ما تهدم، بل صار امتحاناً مباشراً لمدى قدرة الدولة على تحويل الكارثة إلى فرصة لإعادة بناء المجال الجبلي على أسس أكثر عدلاً ونجاعة. فالأرقام التي خرج بها الاجتماع الذي ترأسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش بالرباط تبدو كبيرة ومطمئنة في ظاهرها، لكنها في العمق تضع الجميع أمام سؤال حاسم: هل وصلت هذه الجهود فعلاً إلى كل المتضررين بالوتيرة والإنصاف المطلوبين؟

المعطيات الرسمية تتحدث عن إنجاز أشغال البناء وإعادة التأهيل لفائدة 54 ألفا و425 وحدة سكنية، مع وجود أكثر من 3 آلاف وحدة أخرى قيد الإنجاز، وهو ما يعكس أن ورش الإعمار دخل مرحلة متقدمة على مستوى السكن، بعد شهور طويلة من الانتظار والترقب داخل عدد من الدواوير والمناطق الجبلية المتضررة. كما تم صرف ما يفوق 7.2 مليار درهم لفائدة الأسر المتضررة، منها 4.7 مليار درهم خُصصت لإعادة البناء والتأهيل، وأكثر من 2.5 مليار درهم كمساعدات استعجالية شهرية بقيمة 2500 درهم استفادت منها أزيد من 63 ألف أسرة.

هذه الأرقام تعطي الانطباع بأن الدولة عبأت إمكانيات مالية كبيرة، لكن الملف لا يمكن اختزاله في حجم الاعتمادات فقط، لأن إعادة الإعمار الحقيقية لا تقاس بعدد الملفات المصادق عليها أو قيمة المبالغ المرصودة، بل بمدى عودة الأسر إلى حياة مستقرة وكريمة، وبقدرة القرى الجبلية على استرجاع حدها الأدنى من الأمن الاجتماعي والخدمات الأساسية. هنا تحديداً يبدأ الفرق بين منطق التدبير المالي ومنطق العدالة المجالية.

في قطاع التجهيز، تجاوزت الاعتمادات المرصودة 2.5 مليار درهم، خُصصت أساساً لرفع الأنقاض وإعادة فتح الطرق والمسالك. وتشمل الأشغال الجارية 288 كيلومتراً من الطرق، و49 منشأة فنية، و8 كيلومترات من التشوير، بنسب إنجاز متفاوتة تتراوح بين 10 و90 في المائة. وهذا المعطى وحده يكشف أن جزءاً مهماً من المعركة لا يزال مفتوحاً، لأن العالم القروي الجبلي لا يحتاج فقط إلى منازل، بل يحتاج أيضاً إلى ربط فعلي بالعالم الخارجي، وإلى بنية تحتية تمنع عزلة الساكنة كلما وقعت أزمة أو كارثة.

أما في التعليم، فقد تمت برمجة إعادة بناء وتأهيل 1718 مؤسسة تعليمية بميزانية تفوق 3.5 مليار درهم، مع انتهاء الأشغال في 372 مؤسسة، وانطلاقها في 1090 مؤسسة أخرى بأقاليم الحوز وتارودانت وأزيلال وشيشاوة وورزازات. هذا الرقم يبرز حجم الخصاص الذي خلفه الزلزال، لكنه يبرز أيضاً أن المدرسة في المناطق المتضررة ليست مجرد بناية عمومية، بل هي ركيزة للاستقرار الاجتماعي ومنع الانقطاع والتهجير الصامت للأسر نحو المدن.

وفي القطاع الصحي، انتهت أشغال تأهيل وإعادة بناء 110 مراكز صحية، فيما انطلقت عمليات مماثلة في 37 مركزاً إضافياً بغلاف مالي يصل إلى 562 مليون درهم. ورغم أهمية هذا التقدم، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في إعادة بناء الجدران، بل في ضمان حضور الأطقم الطبية والتجهيزات والخدمات المنتظمة، لأن ساكنة الجبال لا تعاني من ضعف البنيات فحسب، بل من هشاشة العرض الصحي أصلاً حتى قبل الزلزال.

القطاع الفلاحي بدوره حضر ضمن البرنامج، من خلال استكمال المخطط الأولي للتوزيع المجاني لرؤوس الماشية والشعير، وتأهيل البنيات الفلاحية والمائية، وإصلاح 14 نظاماً للتزويد بالماء الصالح للشرب. وهي معطيات مهمة، لأن الزلزال لم يهدم البيوت فقط، بل أصاب أيضاً أسس العيش اليومي للفلاحين الصغار الذين ترتبط حياتهم بالماء والماشية والمسالك الزراعية بشكل مباشر.

وفي السياحة، انتهت 235 مؤسسة إيواء سياحي من أشغال البناء والترميم، بنسبة إنجاز بلغت 98 في المائة من مجموع المؤسسات المستفيدة. كما استفادت 180 تعاونية من كامل دفعات الدعم المخصص لإعادة بناء وتجهيز مقراتها، واستفادت 1101 ورشة حرفية من الدفعة الأولى من الدعم. وهذه المؤشرات تؤكد أن الدولة تحاول أن تتعامل مع الإعمار بمنطق أوسع من السكن، يشمل أيضاً استعادة الدورة الاقتصادية المحلية، حتى لا تتحول المناطق المتضررة إلى فضاءات تنتظر الإعانة فقط.

وفي البعد الديني والثقافي، تم فتح 1239 مسجداً بعد انتهاء أشغال البناء والترميم، مع مواصلة ترميم 64 موقعاً أثرياً وتاريخياً. وهذا المعطى له دلالته الخاصة، لأن الإعمار في مناطق الحوز لا يخص الحجر فقط، بل يخص كذلك الذاكرة الجماعية والرمزية الاجتماعية والروحية التي تشكل جزءاً من توازن الساكنة وإحساسها بالاستمرار بعد الصدمة.

ورغم هذا التقدم المعلن، فإن التحدي الأكبر اليوم لم يعد هو الإعلان عن الأرقام، بل تسريع إنجاز ما تبقى، وضمان ألا تتحول الفوارق الجغرافية الوعرة إلى فوارق في الإنصاف والاستفادة. فالمناطق الجبلية النائية ليست فقط أكثر تضرراً من حيث البنية، بل هي أيضاً أكثر هشاشة في الوصول إلى الإدارة، والمقاولة، والخدمة العمومية، وهو ما يجعل أي تأخر أو تعثر مضاعف الأثر على السكان.

لهذا، فإن التعليمات التي وجهها رئيس الحكومة بضرورة الرفع من وتيرة الإنجاز والتحلي بالسرعة والفعالية لا يجب أن تُقرأ فقط كإشارة إدارية، بل كاعتراف ضمني بأن جزءاً من هذا الورش ما يزال في حاجة إلى نفس أقوى وحضور ميداني أكثر حسماً. لأن الزمن الإداري ليس هو نفسه زمن الأسر التي ما تزال تنتظر استكمال البناء، أو تحسين الطريق، أو استعادة شروط العيش الطبيعي.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة بناء ما أسقطه الزلزال، بل بإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجالات الجبلية التي طالما عانت من الهشاشة والتهميش. وإذا كان المغرب قد نجح في تعبئة مليارات الدراهم وإطلاق هذا الورش الكبير، فإن النجاح الكامل لن يتحقق إلا حين يشعر سكان الحوز وباقي المناطق المتضررة أن ما بعد الزلزال لم يكن مجرد ترميم للأضرار، بل بداية فعلية لإنصاف تنموي طال انتظاره.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...