دعم جديد لمهنيي النقل.. هل تحمي الحكومة القدرة الشرائية أم تؤجل الانفجار الاجتماعي؟

في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، أعلنت الحكومة عن إطلاق دعم استثنائي جديد لفائدة مهنيي قطاع النقل، ابتداءً من 20 مارس 2026، في خطوة تبدو للوهلة الأولى محاولة لاحتواء تداعيات موجة الغلاء، لكنها في العمق تعيد طرح نفس السؤال الذي لم يجد جواباً منذ سنوات: هل الدعم الظرفي حل حقيقي، أم مجرد مسكن مؤقت لأزمة بنيوية؟
البلاغ الحكومي يؤكد أن هذا الدعم يأتي استجابة لارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية، وما انعكس عنه من ضغط مباشر على أسعار الوقود داخلياً. كما يهدف، وفق الرواية الرسمية، إلى الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان استقرار سلاسل التوريد، واستمرارية خدمات النقل.
لكن خلف هذه الأهداف المعلنة، يبرز واقع أكثر تعقيداً. فالدعم الموجه لمهنيي النقل ليس جديداً، بل هو امتداد لسلسلة من الإجراءات التي بدأت منذ سنة 2022، والتي تم تفعيلها كلما ارتفعت أسعار المحروقات. وهذا يطرح إشكالية جوهرية: لماذا لا تزال الحكومة تعتمد نفس الآلية رغم محدودية تأثيرها على المدى المتوسط؟
فعلى أرض الواقع، لم يمنع هذا الدعم من استمرار ارتفاع أسعار النقل بشكل غير مباشر، سواء عبر زيادة تسعيرة نقل البضائع، أو عبر تأثيره على أسعار المواد الأساسية. كما أن المستفيد المباشر من هذا الدعم ليس المواطن، بل المهني، مع افتراض أن الأثر سينعكس تلقائياً على الأسعار، وهو افتراض لا يتحقق دائماً في السوق.
الأكثر من ذلك، أن هذا النوع من الدعم يطرح تساؤلات حول العدالة الاجتماعية، خاصة في ظل غياب دعم مباشر لفئات أخرى متضررة بنفس القدر من ارتفاع الأسعار، مثل الأسر ذات الدخل المحدود أو بعض القطاعات غير المهيكلة. فهل أصبح الدعم موجهاً حسب القدرة على التنظيم والضغط، أم حسب حجم الضرر الحقيقي؟
في المقابل، لا يمكن إنكار أن قطاع النقل يشكل عصباً أساسياً للاقتصاد الوطني، وأن أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى اختلال سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار بشكل أكبر. وهو ما يفسر حرص الحكومة على التدخل السريع لتفادي أي أزمة في تموين الأسواق أو تنقل المواطنين.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في سرعة التدخل، بل في طبيعة الحلول. فالدعم المالي، رغم ضرورته في بعض اللحظات، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاحات أعمق، تشمل إعادة النظر في بنية سوق المحروقات، وتعزيز المنافسة، والبحث عن بدائل طاقية، إضافة إلى تحسين حكامة القطاع.
كما أن الاعتماد المتكرر على الدعم يخلق نوعاً من الاعتياد، حيث يتحول من إجراء استثنائي إلى آلية شبه دائمة، مما يثقل كاهل المالية العمومية، دون ضمان نتائج مستدامة.
اليوم، وبين ضغط الشارع وواقع السوق، تحاول الحكومة السير على خيط رفيع: دعم المهنيين دون استنزاف الميزانية، وتهدئة الأسعار دون المساس بتوازنات الاقتصاد. لكن هذا التوازن يبقى هشاً، في ظل تقلبات السوق الدولية، وغياب رؤية واضحة لإصلاح جذري لملف المحروقات.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل هذا الدعم سيحمي فعلاً القدرة الشرائية للمغاربة، أم أنه مجرد تأجيل لأزمة أكبر قد تنفجر في أي لحظة؟

