إدانة إدريس الراضي في ملف الأراضي السلالية.. هل بدأت محاسبة “النافذين” أم أنها استثناء مؤقت؟
في خطوة تحمل دلالات سياسية وقضائية قوية، قضت المحكمة الابتدائية بسيدي سليمان بإدانة البرلماني السابق إدريس الراضي بأربع سنوات حبسا نافذا، على خلفية تورطه في ملف الاستيلاء على أراض سلالية، وهي واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالملكية الجماعية وحقوق الساكنة المحلية.
الحكم، الذي شمل أيضاً شقيقه كريم الراضي بثلاث سنوات سجناً نافذاً، إلى جانب إدانة عدد من المتورطين من نواب أراض سلالية وموظفين، يعكس أن الملف لم يكن مجرد نزاع عقاري عادي، بل قضية معقدة تتداخل فيها السلطة والنفوذ مع ثغرات قانونية وإدارية استُغلت لسنوات.
وتعود تفاصيل القضية إلى شبهات تزوير محررات رسمية واستعمالها للاستيلاء على أراضٍ تمتد على حوالي 83 هكتاراً بجماعة أولاد حنون بإقليم سيدي سليمان، عبر تقديم معطيات غير دقيقة للحصول على عقود ملكية بطرق مخالفة للقانون. وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى التدخل ورفع شكاية رسمية، فتحت الباب أمام مسار قضائي انتهى بهذا الحكم.
لكن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في العقوبة الصادرة، بل في الرسائل التي يحملها. فالأراضي السلالية، التي تعتبر ملكاً جماعياً، لطالما شكلت مجالاً خصباً للتلاعبات، بسبب غموض بعض المساطر، وضعف المراقبة، وتداخل المصالح بين منتخبين ووسطاء وموظفين. وهو ما جعل هذا الملف تحديداً رمزاً لإشكالية أوسع تتعلق بالحكامة العقارية في المغرب.
اليوم، ومع صدور هذا الحكم، يطرح سؤال مركزي نفسه بقوة: هل نحن أمام بداية فعلية لمحاسبة شخصيات كانت تُعتبر إلى وقت قريب “فوق الشبهات”، أم أن الأمر يتعلق بحالة معزولة فرضتها ظروف معينة؟
واقع الحال يشير إلى أن قضايا الأراضي السلالية ليست استثناءً، بل جزء من نمط أوسع من النزاعات المرتبطة بالعقار، حيث تتحول الأراضي الجماعية إلى موضوع صراع بين منطق الحق الجماعي ومنطق الاستفادة الفردية. وفي كثير من الحالات، يكون الخاسر الأكبر هو الساكنة المحلية التي تجد نفسها خارج معادلة القرار.
في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية هذا الحكم، لأنه يعيد الثقة نسبياً في المسار القضائي، ويبعث رسالة مفادها أن ملفات الفساد، مهما كانت حساسة، يمكن أن تصل إلى مرحلة المحاسبة. غير أن هذه الثقة تبقى مشروطة باستمرارية هذا النهج، وعدم الاكتفاء بملفات محدودة.
التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في معاقبة المتورطين، بل في إصلاح المنظومة التي سمحت بوقوع هذه التجاوزات. فبدون مراجعة عميقة لكيفية تدبير الأراضي السلالية، وتعزيز الشفافية والرقابة، سيظل الباب مفتوحاً أمام تكرار نفس السيناريوهات بأسماء مختلفة.
في النهاية، قد يكون هذا الحكم لحظة فارقة، لكنه يظل ناقصاً إذا لم يتحول إلى بداية مسار أوسع يربط بين المحاسبة والإصلاح، ويضع حداً لمنطق الإفلات من العقاب الذي ظل يطبع عدداً من الملفات الحساسة.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل نحن أمام تحول حقيقي في التعاطي مع ملفات العقار والنفوذ، أم مجرد استثناء عابر في مشهد يحتاج إلى تغيير أعمق؟

