بنك المغرب يختار “سياسة الانتظار الذكي”… تثبيت الفائدة بين ضغط التضخم وهشاشة الاقتصاد

في لحظة اقتصادية دقيقة، قرر بنك المغرب تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 في المائة، في خطوة تعكس توجهاً حذراً يوازن بين كبح التضخم وعدم خنق النمو الاقتصادي.
هذا القرار، الذي أعلن عنه والي البنك عبد اللطيف الجواهري، لا يمكن قراءته كإجراء تقني بسيط، بل هو تعبير عن “سياسة نقدية واعية” تحاول التعامل مع واقع اقتصادي معقد، تحكمه تقلبات داخلية وضغوط دولية متزايدة.
فبنك المغرب، وفق ما تم الكشف عنه، لا يعتمد فقط على نماذج رياضية جامدة، بل على منظومة توقعات تمتد لسنتين، يتم فيها تحيين المعطيات باستمرار، مع إدماج عنصر “التقدير البشري” في اتخاذ القرار، وهو ما يعكس إدراكاً عميقاً بأن الاقتصاد لا يُختزل في الأرقام فقط.
بين التضخم والنمو… معادلة صعبة
المعطيات الحالية تشير إلى أن التضخم بدأ في التراجع، غير أن القلق ما زال قائماً بشأن “التضخم الأساسي”، الذي يعكس الاتجاه الحقيقي للأسعار بعيداً عن التقلبات الظرفية.
وفي هذا السياق، يبدو أن قرار التثبيت هو بمثابة “وقفة تقييمية”، هدفها قياس أثر الزيادات السابقة في سعر الفائدة، ومدى انتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي، خاصة على مستوى القروض البنكية للمواطنين والمقاولات.
لكن خلف هذا القرار، تختبئ معادلة أكثر تعقيداً:
رفع الفائدة قد يكبح التضخم، لكنه قد يخنق الاستثمار…
وتخفيضها قد يدعم النمو، لكنه قد يعيد إشعال الأسعار.
تأثير الخارج… عامل حاسم
لا يمكن فصل القرار النقدي المغربي عن السياق الدولي، حيث يراقب البنك المركزي عن كثب سياسات كل من البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، نظراً لتأثيرها المباشر على تدفقات رؤوس الأموال وقيمة الدرهم.
وفي ظل حالة “اللايقين الجيوسياسي”، يبدو أن خيار الحذر أصبح هو القاعدة، وليس الاستثناء.
معركة “الكاش”… التحدي الأكبر
بعيداً عن سعر الفائدة، يبرز تحدٍ آخر أكثر عمقاً: هيمنة “الكاش” داخل الاقتصاد المغربي.
ارتفاع التداول النقدي بنسبة 15% خلال 2025 ليس مجرد رقم، بل مؤشر على اقتصاد غير مهيكل جزئياً، وعلى صعوبة الانتقال نحو الرقمنة.
في هذا الإطار، يشتغل بنك المغرب على:
-
مشروع “الدرهم الإلكتروني”
-
تقنين العملات الرقمية
-
تقليص التداول النقدي وتشجيع الأداء الإلكتروني
لكن هذا التحول، كما أكد الجواهري، لن يكون سريعاً، وقد يمتد لأكثر من خمس سنوات، نظراً لحساسيته وتأثيره المباشر على الاستقرار المالي.
قراءة تحليلية
قرار تثبيت سعر الفائدة لا يعني الجمود، بل يعكس استراتيجية قائمة على “الانتظار المدروس”.
بنك المغرب اليوم لا يبحث عن حلول سريعة، بل عن توازن دقيق بين:
-
استقرار الأسعار
-
دعم النمو
-
الحفاظ على التوازنات المالية
غير أن السؤال الأهم يبقى مطروحاً:
هل يمكن للاقتصاد المغربي أن يتحمل هذا التوازن الهش في ظل عالم سريع التقلب؟
