الاستثمار العقاري في المغرب: أرباح معلنة… ومخاطر مسكوت عنها

بقلم: علاء الدين عقيل
يُقدَّم الاستثمار العقاري في المغرب، في الخطاب التسويقي والإعلامي، كأحد أكثر المجالات أماناً وربحية. “اشري اليوم تربح غداً”، “العقار لا يخسر”، “فرصة لن تتكرر”… عبارات أصبحت جزءاً من قاموس يومي يُوجَّه للمواطنين، خاصة للطبقة المتوسطة ومغاربة العالم. لكن خلف هذا الخطاب المتفائل، توجد حقيقة أكثر تعقيداً: سوق واعد، نعم… لكنه ليس محصناً من المخاطر، بل يُدار أحياناً بمنطق غير شفاف.
التحول الكبير الذي عرفه القطاع خلال السنوات الأخيرة لم يكن فقط في حجم المشاريع، بل في طبيعة الفاعلين أيضاً. دخول شركات كبرى، واشتداد المنافسة، وتوسع العرض، كلها عوامل أعطت الانطباع بأن السوق في حالة نضج. غير أن هذا “النضج الظاهري” يخفي اختلالات بنيوية، أبرزها انفصال جزء من الاستثمار العقاري عن الطلب الحقيقي.
في عدد من المدن، يتم بناء مشاريع موجهة لفئات محددة، أو لغايات استثمارية بحتة، دون أن يكون هناك طلب فعلي ومستدام عليها. النتيجة: شقق مغلقة، أو معروضة للكراء دون طلب كافٍ، وأسعار لا تعكس دائماً القيمة الحقيقية للسوق. هنا، يتحول الاستثمار من فرصة إلى مخاطرة، خاصة بالنسبة لصغار المستثمرين الذين يدخلون السوق بدافع التقليد أو الخوف من تفويت الفرصة.
العامل الثاني الذي يستحق التوقف عنده هو مسألة العائد الحقيقي. في الإعلانات، يتم الحديث عن نسب أرباح مرتفعة، لكن الواقع غالباً ما يكون مختلفاً. تكاليف الصيانة، الضرائب، فترات الفراغ، وضعف الطلب في بعض المناطق… كلها عوامل تقلص من هامش الربح بشكل كبير. ومع ذلك، نادراً ما يتم الحديث عنها بوضوح.
ولا يمكن إغفال تأثير الموقع، الذي يظل المحدد الأساسي لقيمة أي استثمار عقاري. لكن الإشكال أن بعض المشاريع يتم تسويقها كمناطق “واعدة”، بينما هي في الواقع تعاني من ضعف البنية التحتية أو بعدها عن مراكز النشاط الاقتصادي. وهنا، يجد المستثمر نفسه أمام عقار جميل من حيث الشكل، لكنه ضعيف من حيث القيمة الاستثمارية.
من جهة أخرى، يلعب التمويل البنكي دوراً محورياً في توسيع قاعدة المستثمرين، لكنه في الوقت نفسه يرفع من مستوى المخاطر. الاعتماد على القروض لشراء عقار بهدف الاستثمار يضع المشتري تحت ضغط دائم لتحقيق عائد يغطي الأقساط، وهو ما قد لا يتحقق دائماً، خاصة في سوق غير مستقرة بالكامل.
أما بالنسبة لمغاربة العالم، فإن الاستثمار العقاري يُنظر إليه غالباً كخيار آمن للحفاظ على المدخرات وربطها بالوطن. لكن هذا الاختيار، رغم وجاهته العاطفية، يحتاج إلى مقاربة أكثر عقلانية. فالسوق لا يميز بين مستثمر محلي أو من الخارج، والمخاطر تبقى نفسها، إن لم تكن أكبر بسبب البعد الجغرافي وصعوبة المتابعة.
في العمق، ما يكشفه واقع الاستثمار العقاري في المغرب هو أننا أمام قطاع يجمع بين الفرص الحقيقية والتضخم في التوقعات. ليس كل ما يُعرض هو فرصة، وليس كل ارتفاع في الأسعار مؤشر على ربح مضمون. الفرق بين المستثمر الناجح والآخر المتضرر لا يكمن في الحظ، بل في القدرة على قراءة السوق بشكل واقعي، بعيداً عن الضجيج التسويقي.
العقار يمكن أن يكون استثماراً ذكياً، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عبء طويل الأمد إذا تم الدخول إليه دون دراسة. وفي سوق مثل المغرب، حيث تختلط الديناميات الاقتصادية بالرهانات الاجتماعية، يصبح التحليل ضرورة، وليس ترفاً.

