هدم العشوائي في عين الذياب: هل تستعيد الدار البيضاء ساحلها أم تعيد فقط ترتيب الفوضى؟

ما يجري اليوم على مستوى الشريط الساحلي لعين الذياب وطماريس لا يمكن قراءته فقط باعتباره حملة هدم إدارية عادية، بل باعتباره لحظة جديدة في علاقة الدار البيضاء بواجهتها البحرية. فهذه العلاقة ظلت لسنوات محكومة بالتوسع العشوائي، واحتلال الملك العمومي، وضعف الحسم في تدبير واحد من أكثر المجالات حساسية وجاذبية في المدينة.
السلطات، مدفوعة بتعليمات ترابية واضحة، تسارع إلى إزالة بنايات ومنشآت شيدت فوق الملك العمومي البحري، أو استغلت الفضاء الساحلي خارج منطق التنظيم. في الظاهر، تبدو العملية جزءا من مشروع تهيئة يهدف إلى تحسين جمالية الساحل ورفع جاذبيته السياحية قبل موسم الصيف. لكن في العمق، يطرح هذا التحرك أسئلة أكبر من مجرد الهدم.
عين الذياب ليست مجرد كورنيش أو فضاء للترفيه. إنها واجهة رمزية للدار البيضاء، وصورة مباشرة عن كيفية تدبير المدينة لفضائها العام. لذلك فإن احتلال الملك العمومي البحري، سواء عبر بنايات عشوائية أو توسعات غير منضبطة، لم يكن مجرد مخالفة تقنية. بل كان تعبيرا عن خلل أعمق في الحكامة الحضرية.
فحين يتمدد الخاص على حساب العام، وحين يضيق فضاء المواطنين لصالح الاستغلال التجاري أو الفوضى غير المقننة، فإن المدينة تفقد تدريجيا توازنها ومعناها. ومن هذه الزاوية، تبدو عمليات الهدم مشروعة، بل ومتأخرة أيضا. لأن إعادة تنظيم الساحل البيضاوي ليست ترفا جماليا، بل ضرورة حضرية وسياحية وبيئية.
المشكل لا يكمن في مبدأ الهدم نفسه، بل في حدود المقاربة التي ترافقه. فالهدم وحده لا يصنع مدينة أفضل، إذا لم يكن جزءا من رؤية واضحة تحسم سؤال: ماذا بعد إزالة العشوائي؟
هل نحن أمام مشروع متكامل يعيد الاعتبار للملك العمومي، ويضمن الولوج العادل إلى الساحل، ويحمي المجال من عودة الفوضى؟ أم أننا فقط أمام حملة ظرفية لتنظيف الواجهة قبل الصيف؟
هذا السؤال مهم، لأن التجربة المغربية في أكثر من مدينة أظهرت أن محاربة العشوائي لا تنجح حين تظل موسمية أو انتقائية. ففي كثير من الأحيان، تتحول حملات الهدم إلى لحظات قوية في بدايتها، قبل أن تعود الممارسات نفسها بأشكال جديدة، إما بسبب ضعف المراقبة، أو بسبب تواطؤات محلية، أو بسبب غياب بدائل تنظيمية واضحة.
ما يحدث في طماريس يوسع النقاش أكثر. فالأمر لا يتعلق فقط بتوسعة طريق أو إزالة محلات عشوائية، بل بطريقة فهم المجال الساحلي نفسه. فالساحل ليس ممرا فقط، بل فضاء عموميا حيا، له بعد اجتماعي وبيئي وسياحي.
وإذا كانت السلطة تريد فعلا إعادة رسم ملامح هذا المجال، فإن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على الجرافات. بل يجب أن يشمل تصورا جديدا لعلاقة المدينة ببحرها: شواطئ مفتوحة، فضاءات منظمة، أنشطة مضبوطة، وحماية صارمة للملك العمومي من كل أشكال الزحف.
في النهاية، ما يحدث في عين الذياب قد يكون بداية ضرورية، لكنه ليس كافيا في حد ذاته. لأن استعادة الساحل لا تعني فقط هدم ما هو عشوائي، بل تعني أيضا بناء منطق جديد في تدبير المجال.
هذا المنطق يجب أن يحمي العام، ويضبط الخاص، ويضع جمالية المدينة في خدمة سكانها أولا، لا في خدمة الصورة الموسمية فقط. فالساحل البيضاوي لا يحتاج فقط إلى إزالة التشوهات، بل إلى قرار حضري شجاع يمنع إنتاجها من جديد.

