ثقافة وتراث

يوسف زيدان والمرأة في المخيال العربي: من الأنثى المقدسة إلى الأنثى المدنسة

جاري التحميل...
/

كانت المناسبة مجرد حادثة عابرة في ظاهرها، لكنها كانت كافية لإعادة فتح أسئلة قديمة لم تُحسم بعد. أستحضر هنا الضجة التي رافقت واقعة “لفافة التبغ” في مهرجان تويزا بطنجة، وما سحبته خلفها من سجال واسع، لم يخل من ذلك التنطع المألوف الذي يحاول أن يصنع من الشرق مركزا للاستعلاء، ومن المغرب هامشا للتلقي أو سوء الفهم. والحال أن الواقع العربي الإسلامي، في شرقه كما في غربه، واحد في أعطابه العميقة، وواحد أيضا في تناقضاته الثقافية والاجتماعية.

من هذه الزاوية، بدا من المشروع العودة إلى باكورة أعمال الروائي المصري يوسف زيدان، لا بوصفها مجرد نصوص أدبية عابرة، بل باعتبارها مرايا تكشف مكنونا اجتماعيا وثقافيا لم يفقد بعد راهنيته. فالرجل ليس فقط كاتبا روائيا، بل هو أيضا ابن بيئة أدبية وفكرية عريقة، تنتمي إلى ذلك العمق المصري الذي أنجب أسماء بصمت الوعي العربي الحديث، مثل رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وفرح أنطون، ثم لاحقا نجيب محفوظ وصنع الله إبراهيم ورضوى عاشور. وهي أسماء لم تكن تكتب للتسلية، بل لتفكيك المجتمع، وكشف تناقضاته، ورصد عذابه بين قديم لم يمت، وجديد لم يولد بالكامل.

ضمن هذا الأفق، تأتي روايات يوسف زيدان لتلامس المسكوت عنه في البنية العاطفية والاجتماعية العربية. ففي بعض أعماله، لا تظهر العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها علاقة إنسانية ناضجة تقوم على الود والاعتراف المتبادل، بل باعتبارها ساحة توتر، تتنازعها السلطة والذاكرة والجفاء. الزوج لا يعرف كيف يستعيد زوجته إلا عبر وساطة خارجية، وكأن العلاقة نفسها لا تستند إلى تواصل حي، بل إلى بنية اجتماعية مأزومة تحتاج دائما إلى طرف ثالث يعيد ترتيب ما فسد فيها.

هذا المعطى ليس تفصيلا سرديا بسيطا، بل هو علامة على أزمة أعمق. فالرواية، في هذا المستوى، لا تتحدث فقط عن بيت مضطرب أو عن زوجة نافرة، بل عن مجتمع تختل فيه العلاقة بالعاطفة ذاتها. مجتمع يتقن الضبط والوصاية أكثر مما يتقن الحب والاحتواء. لذلك يبدو الرجل في كثير من الأحيان عاجزا عن مخاطبة المرأة بوصفها ذاتا مستقلة، فيلجأ إلى سلطة الجد أو العرف أو التقاليد أو التأويل الذكوري للعالم.

وفي قلب هذا العالم الروائي، تحضر الأمومة والأبوة بوصفهما مدخلين إلى سؤال الطبيعة والثقافة. حين يكتب زيدان أن “الأمومة طبيعة، والأبوة ثقافة”، فهو لا يقدم فقط عبارة تأملية لافتة، بل يعيد طرح واحدة من أقدم الجدليات في الفكر الإنساني: ما الذي هو أصيل في الوجود البشري، وما الذي صنعته الثقافة والسلطة والعادة؟ هنا تصبح المرأة أقرب إلى الأصل البيولوجي والعاطفي، بينما يبدو الرجل مشدودا أكثر إلى ما راكمته الثقافة من سلطة وتمثلات وأدوار مفروضة.

ومن هذا التوتر تحديدا تتولد مأساة المرأة في المخيال العربي كما تعكسه الرواية. فهي ليست فقط أما أو زوجة أو ابنة، بل كائن يتأرجح تاريخيا بين صورتين متناقضتين: صورة الأنثى المقدسة، وصورة الأنثى المدنسة. عند المصريين القدماء، بلغت الأنثى منزلة التقديس. كانت الأم، والخصب، والطبيعة، والحياة، تتجسد في صورة أنثوية ذات حمولة رمزية وروحية عميقة. أما في المخيال الاجتماعي الحديث، فقد تراجعت تلك الصورة، أو انقلبت أحيانا إلى نقيضها: المرأة كخطر، كإغواء، كجسد ينبغي ضبطه، أو ككائن يهدد التوازن الذكوري الهش.

هذا الانتقال من التقديس إلى التدنيس ليس مجرد تحول ثقافي عابر، بل هو تلخيص لمسار طويل من تراجع المكانة الرمزية للمرأة داخل مجتمع بات يحتفي بالذكورة أكثر مما يحتفي بالإنسانية المشتركة. ومن هنا، لا تبدو الرواية مسيئة إلى المرأة، كما قد يظن بعض القراء المتعجلين، بل تبدو أقرب إلى صرخة ضد الصورة التي حاصرتها بها الثقافة الذكورية. إنها لا تدين المرأة، بل تدين النظرة التي اختزلتها في ثنائية الأم الطاهرة أو الشيطان المغوي، دون الاعتراف بها كذات كاملة، مركبة، ومتعددة الأبعاد.

وفي هذا السياق، تكتسب الرسائل التي تتلقاها الابنة من أمها الهاربة معنى يتجاوز البعد الحكائي. فهي لا تسترجع فقط ماضيا شخصيا مؤلما، بل تعيد تفجير المكبوت الثقافي المتصل بالأصل الأنثوي، وبالعلاقة المتوترة بين المرأة ومحيطها الأبوي والذكوري. الأم هنا ليست مجرد شخصية غائبة، بل مرآة لذاكرة أنثوية مكسورة، تكشف أن القطيعة مع المرأة تبدأ أحيانا من الأسرة نفسها، قبل أن تتوسع داخل المجتمع كله.

هكذا، يتحول النص الروائي إلى فضاء لطرح السؤال الإنساني في أعمق مستوياته. فالمرأة في روايات زيدان ليست موضوعا جانبيا، بل مدخل إلى فهم الذات العربية وهي تتصارع مع ماضيها، ومع تصوراتها عن الجسد والسلطة والعاطفة والقداسة. ولذلك يبدو السؤال في هذه الروايات أهم من الجواب. بل لعل هذا هو جوهر الكتابة عند يوسف زيدان: أن يجعل الإنسان يواجه أسئلته المؤجلة، لا أن يقدم له أجوبة مريحة وجاهزة.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذه الروايات فقط في بنائها الفني أو لغتها أو خلفيتها التراثية، بل في قدرتها على تعرية جانب من وعينا الثقافي. إنها تذكرنا بأن علاقتنا بالمرأة لم تُحسم بعد على أساس المصالحة والاعتراف والعدل، بل ما زالت رهينة صور قديمة ومتناقضة. وبين الأنثى المقدسة والأنثى المدنسة، يظل السؤال معلقا: متى نرى المرأة كما هي، لا كما يريد المخيال الذكوري أن يراها؟

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...