الحكومة تعيد ضبط تجارة السمك بالجملة.. إصلاح قانوني أم بداية تشديد جديد على السوق؟

في خطوة جديدة تعكس توجه الدولة نحو إعادة ترتيب بعض الحلقات الحيوية داخل الاقتصاد البحري، صادق مجلس الحكومة، اليوم الخميس 26 مارس 2026، على مشروع القانون رقم 36.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 14.08 المتعلق ببيع السمك بالجملة، في سياق إصلاح قانوني يراد له أن يواكب التحولات التي يعرفها قطاع الصيد البحري وتسويق منتجاته. وقد أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن هذا المشروع يأتي لمعالجة الثغرات التي كشف عنها تطبيق القانون الحالي، مع مراجعة شروط الترخيص، وتحديد مدة صلاحية الرخص، وتحيين قواعد منح بطاقة تاجر المنتجات البحرية بالجملة، إلى جانب اعتماد فترة انتقالية لتسوية وضعية الرخص القديمة.
لكن خلف هذا الطابع التقني والإجرائي، يبرز سؤال أعمق: هل نحن أمام مجرد تعديل قانوني محدود، أم أمام بداية إعادة هيكلة فعلية لسوق ظل لسنوات طويلة محكوما بالارتباك، وتفاوت الشروط، وضعف الشفافية في بعض مفاصله؟
الواقع أن تجارة السمك بالجملة ليست مجرد حلقة إدارية داخل سلسلة الصيد البحري، بل هي مفصل اقتصادي حساس يتقاطع فيه المهني بالتجاري، والتمويني بالرقابي، والاجتماعي بالسيادي. وعندما تتحرك الحكومة لتعديل القانون المؤطر لهذا المجال، فهي تعلن ضمنيا أن المنظومة القديمة لم تعد قادرة وحدها على استيعاب التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع، سواء من حيث حجم المبادلات، أو من حيث الحاجة إلى ضبط شروط الولوج إلى السوق، أو من حيث تنظيم العلاقة بين المتدخلين.
المعطيات التي قدمها بايتاس تؤكد أن الحديث لا يتعلق بقطاع هامشي، بل بمجال اقتصادي له وزنه الواضح، إذ يفوق عدد الممارسين فيه 5000 شخص، فيما بلغ رقم المعاملات خلال سنة 2025 حوالي 10.111 مليارات درهم، وهو رقم يكشف أن أي خلل في هذا المستوى لا يمكن اعتباره مسألة تقنية بسيطة، بل قضية ترتبط مباشرة بحسن تنظيم السوق، وحماية الاستثمار، وضمان شروط تنافس أكثر وضوحا.
من هنا، يمكن فهم الرسالة السياسية والاقتصادية التي تحملها هذه المصادقة. فالدولة تبدو عازمة على تقنين أوضح لسوق المنتجات البحرية، ليس فقط لتيسير النشاط، كما تقول الحكومة، ولكن أيضا لتضييق هامش الفوضى القانونية التي قد تفتح الباب أمام تعدد التأويلات، واختلال شروط الولوج، وتفاوت تطبيق القواعد بين الفاعلين. ذلك أن الأسواق التي تدر مليارات الدراهم لا يمكن أن تبقى رهينة نصوص لم تعد تجيب بالكامل عن التحولات الجديدة.
ومع ذلك، فإن أي إصلاح قانوني لا يكتسب معناه الحقيقي من صياغته فقط، بل من كيفية تنزيله. فالتحدي الأكبر لن يكون في المصادقة على النص، بل في ضمان ألا يتحول هذا التشديد التنظيمي إلى عبء إداري إضافي على المهنيين الصغار، أو إلى بوابة جديدة لإعادة إنتاج البيروقراطية بأدوات قانونية محدثة. فكم من إصلاحات دخلت النصوص من باب التحديث، ثم خرجت إلى الواقع مثقلة بالتعقيد، وكلفة المساطر، وبطء التسوية.
لهذا، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في مراجعة الرخص والبطائق والمستخرجات، بل في بناء توازن دقيق بين حاجة الدولة إلى التنظيم وحق المهنيين في الولوج العادل والسلس إلى السوق. فالقانون الجيد ليس هو الذي يكثر الشروط فقط، بل الذي يضبطها بوضوح، ويجعلها قابلة للتطبيق، ويمنع في الآن نفسه التقدير المزاجي أو التأويل الفضفاض.
الأكيد أن الحكومة تريد من خلال هذا المشروع تقديم صورة عن دولة تراقب، وتحيّن، وتضبط، وتستبق الاختلالات. لكن الشارع الاقتصادي والمهني سيحكم على النص من زاوية واحدة لا غير: هل سيؤدي هذا التعديل إلى مزيد من الشفافية والنجاعة؟ أم أنه سيضيف طبقة جديدة من التعقيد فوق سوق يحتاج، قبل أي شيء، إلى الوضوح والإنصاف وربط المسؤولية بالمراقبة؟
في العمق، هذا القانون ليس مجرد ملف يخص السمك بالجملة فقط، بل هو اختبار جديد لمدى قدرة الحكومة على تحويل لغة الإصلاح إلى أثر ملموس داخل الأسواق. لأن الاقتصاد لا يقاس فقط بما تعلنه النصوص، بل بما يشعر به الفاعلون على الأرض من عدالة في الشروط، وسهولة في المساطر، ووضوح في القواعد.
وبين النص القانوني والواقع المهني، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل ستنجح الحكومة فعلا في تحديث هذا القطاع الحيوي؟ أم أننا سنكون أمام تعديل قانوني آخر يرفع شعار الإصلاح دون أن يمس جوهر الأعطاب القديمة؟

