“منتدى المدرس” يكرم تجارب تعليمية رائدة.. والرسالة الأهم: الإصلاح يبدأ من الفصل لكنه لا ينتهي عنده

اختتم المنظمون النسخة الثانية من “المنتدى الوطني للمدرس” بحفل تتويج احتفى بنساء ورجال التعليم الذين قدموا مبادرات تربوية مبتكرة. واختار المنتدى شعار “المدرس في قلب التحول التربوي”، في رسالة واضحة تؤكد أن أي إصلاح جدي للتعليم يمر من داخل الفصل الدراسي.
لم يكن الحفل مجرد محطة احتفالية لتوزيع الجوائز. بل شكل مناسبة لإبراز تجارب ميدانية حاول أصحابها تطوير الممارسة التعليمية داخل مؤسساتهم، في سياق ما تزال فيه المدرسة العمومية تواجه تحديات كبيرة.
كرم المنتدى الفائزين في جائزة “أستاذ السنة” التي تبرز التجارب الرائدة وتشجع على الابتكار في طرق التدريس. وحضر الحفل عدد من المسؤولين والفاعلين في قطاع التربية والتكوين.
تكمن أهمية هذه الجائزة في طبيعة المشاريع المتوجة. فهي لا تعرض أفكارا نظرية فقط، بل تقدم نماذج عملية خرجت من واقع المدرسة المغربية. وهذا ما يمنحها قيمة أكبر في النقاش الجاري حول إصلاح التعليم.
فازت الأستاذة لمياء قلعي، أستاذة اللغة الفرنسية التابعة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة بني ملال خنيفرة، بالجائزة الأولى. وأوضحت أن هذا التتويج جاء بعد تجربة سابقة بلغت فيها المرحلة النهائية دون أن تحصد اللقب.
يحمل هذا المعطى دلالة مهمة. فالنجاح في المجال التربوي لا يولد من المحاولة الأولى دائما، بل يصنعه التراكم والمثابرة والتعلم من التجربة.
كما وجهت الأستاذة المتوجة تحية خاصة إلى تلاميذها، واعتبرتهم شركاء أساسيين في هذا النجاح. وهذه الإشارة مهمة، لأنها تذكر بأن العملية التعليمية لا تنجح إلا عندما يصبح المتعلم جزءا من دينامية القسم، لا مجرد متلق سلبي.
في فئة التعليم الابتدائي، فاز الأستاذ إسماعيل بواشم، العامل بمدرسة تيموليت التابعة لمديرية أزيلال، بالرتبة الأولى عن مشروع “100 يوم للتعلم و100 يوم للتعبير”.
يراهن هذا المشروع على تمكين تلاميذ المستوى الأول من التحدث باللغة الفرنسية بطلاقة. واعتمد صاحبه مقاربة تشاركية تجمع بين الأستاذ والتلميذ والأسرة.
شرح بواشم أن المشروع يقوم على ما سماه “مثلث التعليم التشاركي”. وفي هذا النموذج، تلعب الأسرة دورا مباشرا في مواكبة تعلم الأطفال عبر أنشطة تفاعلية، من بينها تمارين مرتبطة بحالة الطقس عبر “واتساب”.
تكشف هذه التجربة أن المدرسة تستطيع تحقيق نتائج أفضل عندما تنفتح على الأسرة. لكن هذا النموذج يطرح أيضا سؤالا مهما: هل تملك كل الأسر نفس القدرة على المواكبة؟ وهل يمكن تعميم هذه المقاربة في البيئات الهشة بنفس الفعالية؟
شهد الحفل أيضا تتويج الأستاذ مصطفى مروان، أستاذ التعليم الابتدائي بمدرسة “كم الرحى” التابعة للمديرية الإقليمية لورزازات، عن مشروع جماعي بعنوان “التربية التراثية والنقل الشفوي”.
سعى هذا المشروع إلى إدماج الثقافة والتراث المحلي في الممارسة الصفية، وربط التلاميذ بهويتهم الثقافية. كما استهدف تقليص الفوارق في الولوج إلى الفضاءات الثقافية والفنية بين تلاميذ العالم القروي ونظرائهم في المدن.
شمل المشروع إنشاء حديقة للألعاب التربوية لإحياء الألعاب التقليدية، وتنظيم أنشطة تربط التلاميذ بثقافتهم المحلية، إلى جانب أقسام مفتوحة وزيارات انغماسية إلى فضاءات ثقافية وتراثية. واستفاد من هذه الأنشطة أكثر من ألف تلميذ.
تبرز أهمية هذا النموذج في كونه يوسع معنى التعليم. فالمدرسة لا تكتفي بتلقين المعارف الأساسية، بل تساهم أيضا في بناء الوعي بالهوية والانتماء والثقافة.
تكشف هذه النماذج أن المدرسة العمومية ما تزال تحتضن طاقات قادرة على الإبداع. كما تؤكد أن كثيرا من الحلول يمكن أن يخرج من داخل الميدان نفسه.
لكن الاحتفاء بهذه المبادرات لا يجب أن يحجب الأسئلة الكبرى. فالمبادرة الفردية، مهما كانت ناجحة، لا تستطيع وحدها إصلاح منظومة مثقلة بالاكتظاظ، والتفاوتات المجالية، وضعف التجهيزات، والضغط المهني اليومي.
لهذا، تكتسب مثل هذه اللقاءات معناها الحقيقي عندما تتحول التجارب الناجحة إلى أرضية للتعميم والاستفادة، لا إلى لحظات احتفال عابرة.
أكد المنظمون أن المنتدى يهدف إلى تثمين المبادرات التربوية المبتكرة، وتشجيع المدرسين على تطوير ممارسات جديدة تضع المتعلم في صلب العملية التعليمية، بما ينسجم مع توجهات الإصلاح التربوي.
غير أن الرهان الحقيقي لا يقف عند حدود التتويج. بل يبدأ بعده. فالإصلاح لا يمكن أن يستمر فقط بفضل تفاني أفراد يشتغلون بإمكانات محدودة، بل يحتاج إلى دعم مؤسساتي واضح، ورؤية منسجمة، وشروط عمل تساعد على الاستمرار.
في النهاية، يوجه “منتدى المدرس” رسالة إيجابية مفادها أن داخل المدرسة العمومية كفاءات حقيقية وتجارب تستحق الإنصات. لكن الرسالة الأهم تبقى واضحة: إصلاح التعليم لا يجب أن يراهن فقط على استثناءات مضيئة، بل على سياسة تربوية قادرة على تحويل هذه الاستثناءات إلى قاعدة.
