وفاة اليامين زروال.. رجل “العشرية السوداء” الذي غادر السلطة واختار الصمت

أعلنت رئاسة الجمهورية الجزائرية، مساء اليوم، وفاة الرئيس الأسبق اليامين زروال، بعد معاناة مع المرض، داخل المستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالعاصمة.
وجاء في بيان رسمي أن الجزائر فقدت أحد رجالاتها الذين طبعوا مرحلة دقيقة من تاريخها، في إشارة إلى فترة حكمه خلال سنوات العنف في التسعينيات.
وُلد اليامين زروال في 3 يوليو 1941 بمدينة باتنة، في قلب منطقة الأوراس. التحق بجيش التحرير الوطني وهو في سن السادسة عشرة، وشارك في حرب التحرير بين 1957 و1962.
بعد الاستقلال، واصل مساره العسكري. تلقى تكوينًا في الاتحاد السوفيتي، ثم في المدرسة الحربية الفرنسية سنة 1974. وتدرج بعدها في مناصب المسؤولية داخل الجيش الوطني الشعبي.
قاد مؤسسات عسكرية مهمة، من بينها المدرسة العسكرية في باتنة والأكاديمية العسكرية في شرشال. كما تولى قيادة عدة نواحٍ عسكرية، قبل أن يعينه النظام قائدًا للقوات البرية، ثم وزيرًا للدفاع سنة 1993.
تولى زروال رئاسة الدولة في 30 يناير 1994، خلال مرحلة انتقالية حساسة. وبعد سنة واحدة، فاز في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995، ليصبح أول رئيس منتخب في انتخابات تعددية في تاريخ الجزائر.
قاد البلاد في واحدة من أصعب الفترات، المعروفة بـ“العشرية السوداء”. واعتمد مقاربة تجمع بين المواجهة الأمنية والانفتاح السياسي، من خلال سياسة الرحمة ومحاولات الحوار، مع رفض التفاوض مع الجماعات المسلحة.
في خطوة نادرة في المنطقة، قرر زروال تقصير ولايته. أعلن في شتنبر 1998 تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، ثم غادر الحكم في أبريل 1999، مفسحًا المجال أمام عبد العزيز بوتفليقة.
هذا القرار منح صورته بعدًا خاصًا، كرئيس اختار مغادرة السلطة بدل التشبث بها، في وقت كانت فيه المنطقة تعرف نماذج مغايرة.
بعد خروجه من الحكم، عاد زروال إلى مسقط رأسه في باتنة. عاش حياة بسيطة وابتعد عن الأضواء. ورفض امتيازات رمزية، من بينها فيلا وسيارة رسمية.
كما اتخذ مواقف سيادية خلال فترة حكمه. رفض شروطًا اعتبرها مهينة في علاقته مع فرنسا، وواجه ضغوطًا اقتصادية مرتبطة بمؤسسات مالية دولية.
رغم انسحابه من الحياة السياسية، ظل زروال حاضرًا في الذاكرة الجماعية الجزائرية. وحافظ على صورة رجل الدولة الهادئ الذي لم يدخل في صراعات علنية.
وخلال الحراك الشعبي سنة 2019، عبّر عن دعمه لمطالب الشارع، واعتبرها معبرة عن كرامة الأمة، في موقف أعاد اسمه إلى الواجهة دون أن يعود إلى الفعل السياسي المباشر.
برحيل اليامين زروال، تطوي الجزائر صفحة أحد أبرز وجوه مرحلة التسعينيات. رجل حكم في زمن العنف، وغادر في زمن التهدئة، واختار بعدها الصمت بدل العودة إلى الواجهة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن تُستعاد تجربة زروال كنموذج لمرحلة انتقالية هادئة، أم أن سياق اليوم لم يعد يشبه زمنه؟

