المجتمع

العمل الجمعوي في المغرب… توسع عددي يكشف حيوية المجتمع المدني، لكنه يواجه اختبارات الاستقلالية والفعالية

جاري التحميل...
/

لم يعد العمل الجمعوي في المغرب مجرد نشاط مواز أو مجالا محدود التأثير، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أبرز الفضاءات التي يتحرك داخلها المجتمع المدني، سواء في مجالات التنمية المحلية أو الترافع الحقوقي أو التأطير الثقافي والاجتماعي. غير أن هذا التوسع العددي اللافت، الذي جعل عدد الجمعيات يتجاوز مئتين وستة وستين ألف جمعية سنة 2025، لا يخفي في المقابل جملة من التحديات البنيوية التي تجعل هذا القطاع يعيش مفارقة واضحة بين الاتساع الكمي والهشاشة النوعية.

الدراسة الصادرة عن “منتدى أنوال للتنمية والمواطنة” تضع يدها على جوهر هذه المفارقة. فمن جهة، هناك اعتراف متزايد بأن الفعل الجمعوي يلعب دورا مهما في تنمية اهتمام المواطن بالشأن العام، وتقوية ثقافة المشاركة، وتعويض جزء من الفراغ الذي خلفته أزمة الثقة في بعض الوسائط التقليدية للتأطير والتمثيل. ومن جهة أخرى، ما زالت الجمعيات نفسها تصطدم بعوائق قانونية وإدارية وتنظيمية تجعل جزءا من هذا الدور محاصرا أو محدود الأثر.

أحد أبرز هذه الإشكالات يتعلق بحرية التأسيس والاشتغال. فحين تشتكي جمعيات من رفض تسلم ملفاتها القانونية، أو من الامتناع عن تسلم الإخباريات الخاصة بجموعها العامة، أو من عدم تنفيذ أحكام قضائية صادرة لفائدتها، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف إداري بسيط، بل يصبح مؤشرا على وجود توتر مستمر بين النص القانوني والممارسة الفعلية. وهذا ما يضعف الإحساس بالأمن القانوني، ويجعل بعض الفاعلين الجمعويين يشعرون بأن المجال ما زال يتحرك داخل هامش غير مستقر.

لكن اختزال أزمة العمل الجمعوي في علاقة الجمعيات بالإدارة فقط سيكون تبسيطا غير دقيق. فالدراسة نفسها تشير إلى اختلالات داخلية لا تقل أهمية، من قبيل ضعف الحكامة، وقلة الموارد، وهشاشة التكوين، ومحدودية الشفافية، بل وأحيانا ضعف الاستقلالية. وهذا يعني أن جزءا من التحدي يوجد داخل النسيج الجمعوي ذاته، وليس فقط خارجه. فالجمعية التي تطالب بالديمقراطية والشفافية يفترض أن تجسد هذه القيم داخل بنيتها أولا، حتى تكتسب المصداقية اللازمة للتأثير في محيطها.

كما أن ارتفاع عدد الجمعيات لا يعني تلقائيا ارتفاع جودة الفعل المدني. فبعض الجمعيات توجد قانونيا أكثر مما توجد فعليا، وبعضها الآخر يبقى رهينا بالدعم الظرفي أو بالعلاقات المحلية أو بالمواسم، دون قدرة حقيقية على بناء مشروع مستدام. وهنا يظهر الفرق بين مجتمع مدني واسع من حيث العدد، ومجتمع مدني قوي من حيث الفعالية والاستقلالية والقدرة على الاقتراح.

الدعوة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للجمعيات تبدو، في هذا السياق، أكثر من مبررة. ليس فقط من أجل تبسيط المساطر، بل أيضا من أجل إزالة المناطق الرمادية التي تفتح الباب أمام التأويل الواسع أو التطبيق الانتقائي. كما أن الانتقال إلى آليات رقمية في إيداع الملفات وتتبعها يمكن أن يحد من جزء من الاحتكاك الإداري الذي يخلق كثيرا من التوترات.

في النهاية، العمل الجمعوي في المغرب يوجد اليوم عند مفترق مهم. فهو لم يعد هامشيا كما كان في السابق، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة النضج المؤسسي الكامل. وبين الحيوية التي تؤكدها الأرقام، والإكراهات التي تكشفها الممارسة، يبقى الرهان الحقيقي هو كيف يتحول هذا القطاع من مجرد كثافة عددية إلى قوة مدنية منظمة، مستقلة، وفاعلة في المجتمع.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...