إعادة إسكان قاطني دور الصفيح بالرباط… حين تتعثر الوعود بين الإدارة والوساطة

في قلب الرباط، حيث تُرفع شعارات المدينة الحديثة والتنمية الحضرية، يطفو على السطح ملف ثقيل لا يزال يبحث عن حل نهائي: إعادة إسكان قاطني دور الصفيح. برنامج وُضع منذ سنوات بهدف طي صفحة السكن غير اللائق، لكنه في الواقع لم يكتمل بعد، وترك وراءه حالات عالقة، وانتظارات طويلة، وأسئلة معلقة حول المسؤولية.
عدد من الأسر التي تم إحصاؤها ضمن برامج إعادة الإسكان وجدت نفسها في وضعية ضبابية. وعود بالاستفادة، إجراءات إدارية انطلقت، ثم توقف غير مفهوم في بعض الحالات. البعض يتحدث عن ملفات لم تُسوَّ بعد رغم مرور سنوات، وآخرون يشتكون من غياب تواصل واضح يفسر أسباب التأخير أو مآل الملفات.
المشكل هنا لا يرتبط فقط بندرة العرض أو تعقيد المساطر، بل يكشف عن خلل أعمق في تدبير هذا النوع من الملفات الاجتماعية الحساسة. لأن إعادة الإسكان ليست مجرد عملية تقنية، بل هي انتقال إنساني من وضع هش إلى استقرار مفترض. وأي تعثر في هذا المسار يتحول مباشرة إلى أزمة اجتماعية.
في هذا السياق، يبرز دور مؤسسة وسيط المملكة، باعتبارها قناة يلجأ إليها المواطن حين تنغلق أبواب الإدارة. المؤسسة بالفعل تتابع هذا النوع من الملفات، وقد سجلت في تقارير رسمية وجود تعثرات في تنزيل بعض التوصيات المرتبطة بإعادة الإسكان، بما في ذلك حالات في الرباط. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل تتدخل المؤسسة؟ بل: هل يكفي تدخلها؟
الواقع يظهر أن الوساطة، رغم أهميتها، تصطدم بحدود التنفيذ. فالمؤسسة يمكنها دراسة التظلمات، مراسلة الإدارات، وإصدار توصيات، لكنها لا تملك دائما سلطة فرض الحلول على أرض الواقع. وهنا تتحول بعض الملفات من “نزاع قابل للحل” إلى “وضعية معلقة”، خاصة عندما تتداخل عدة أطراف إدارية، أو حين ترتبط العملية بعوامل معقدة مثل العقار والتمويل والتخطيط الحضري.
هذا الوضع يطرح إشكالا جوهريا في العلاقة بين المواطن والإدارة:
حين يلجأ المواطن إلى مؤسسة دستورية من أجل إنصافه، ثم يجد أن مساره يتوقف عند حدود التوصية، فهل نكون أمام حل مؤجل أم أمام ثقة تتآكل تدريجيا؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن برامج إعادة إسكان قاطني دور الصفيح حققت نتائج مهمة في عدة مدن، وساهمت في تحسين ظروف عيش آلاف الأسر. لكن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في الإعلان عن البرامج، بل في استكمالها بعدل وشفافية، وضمان عدم ترك حالات عالقة خارج المسار.
المدينة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُنجز، بل أيضا بعدد الملفات التي تُحل.
والسياسة الحضرية لا تنجح حين تُزيل دور الصفيح فقط، بل حين تضمن أن كل من غادرها وجد مكانا واضحا ومستقرا.
في النهاية، ملف الرباط ليس استثناء، بل هو نموذج مصغر لسؤال أكبر:
كيف يمكن تحويل الوساطة من آلية للتشخيص إلى أداة فعلية للحل؟
سؤال يستحق أكثر من جواب إداري…
يستحق إرادة حقيقية تعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته.

