الجماعات الترابية

صفقات عمومية تحت المجهر… هل يكشف التدقيق اختلالات عميقة في تدبير المال العام؟

جاري التحميل...
/

في خطوة تعكس حساسية المرحلة التي تمر منها المالية العمومية، باشرت المفتشية العامة للمالية مهام تدقيق شملت عدداً من المؤسسات والمقاولات العمومية، على خلفية معطيات تفيد بارتفاع كلفة صفقات متعثرة، بعضها عرف مسارا متقلبا بين الفسخ والتراجع. هذه الدينامية لا تعكس فقط خللاً تقنيا في تدبير العقود، بل تفتح نقاشاً أوسع حول حكامة الصفقات العمومية وحدود المسؤولية داخل الإدارة.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن بعض الجهات صاحبة المشاريع اتخذت قرارات فسخ بشكل متسرع، قبل أن تعود وتتراجع عنها لاحقاً، إما تحت ضغط الطعون القضائية أو بعد اتضاح غياب مبررات قانونية كافية. هذا التذبذب في القرار الإداري لا يمر دون كلفة، بل قد يتحول إلى عبء مباشر على الميزانية، خاصة عندما تلجأ الشركات المتعاقدة إلى القضاء للمطالبة بتعويضات.

الإشكال هنا لا يتعلق فقط بقرار الفسخ في حد ذاته، بل بالمسار الذي يسبقه. فالقانون ينص بوضوح على ضرورة احترام مراحل محددة، من بينها توجيه الإعذار، وإتاحة الفرصة للمقاول لتدارك الإخلال، قبل الانتقال إلى إنهاء التعاقد. لكن حين يتم تجاوز هذه المساطر، يتحول القرار الإداري من أداة لحماية المرفق العام إلى مصدر نزاع قانوني.

في المقابل، تكشف هذه الحالات عن جانب آخر من المشكلة، يتعلق بمدى توفر الكفاءات القانونية والتقنية داخل بعض المؤسسات لتدبير صفقات معقدة. فالتعامل مع عقود عمومية لا يقتصر على التوقيع والمتابعة، بل يتطلب فهماً دقيقاً للمخاطر القانونية، وقدرة على التقدير قبل اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة.

كما أن مسألة الضمانات المالية المرتبطة بالصفقات تطرح بدورها إشكالات، خاصة في ما يتعلق بتأخر تحريرها أو سوء تدبيرها، وهو ما قد يخلق توتراً إضافياً بين الإدارة والمتعاقدين، ويؤثر على مناخ الثقة في السوق.

لكن ما يجعل هذا الملف أكثر حساسية هو أنه لا يهم فقط العلاقة بين الإدارة والشركات، بل يرتبط بشكل مباشر بكيفية صرف المال العام. فكل قرار غير محسوب، وكل مسطرة لم تُحترم، قد تتحول إلى تكلفة يتحملها في النهاية دافع الضرائب.

في هذا السياق، تبدو مهام المفتشية العامة للمالية خطوة ضرورية، ليس فقط لرصد الاختلالات، بل لإعادة طرح سؤال أعمق:
هل الإشكال في النصوص، أم في طريقة تنزيلها؟

لأن المغرب يتوفر اليوم على ترسانة قانونية متقدمة في مجال الصفقات العمومية، لكن التحدي الحقيقي يظل في التطبيق، وفي ضمان أن تتحول القواعد إلى ممارسات يومية داخل الإدارة.

الرهان ليس فقط في محاسبة الأخطاء، بل في منع تكرارها.
فالصفقات العمومية ليست مجرد أوراق وعقود، بل هي مشاريع تنموية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وإذا لم تُدبر هذه الصفقات بمنطق الحكامة والمسؤولية، فإن الخلل لا يبقى محصوراً داخل الإدارة…
بل يمتد إلى تأخر المشاريع، وتعطيل الخدمات، وتآكل الثقة في المؤسسات.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
×
تطبيق المدينة العربية أخبار عاجلة وتصفح أسرع.. ثبته الآن! اضغط سهم المشاركة ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مرحبا بك في المدينة العربية

جاري عرض أخر الأخبار...