إعادة بناء مستشفى الحسن الثاني بأكادير: إصلاح متأخر أم بداية تصحيح عميق للمنظومة الصحية؟

أعلنت وزارة الصحة إطلاق مشروع إعادة بناء المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني بأكادير، بعد أشهر من الاحتجاجات التي وسمت المؤسسة بـ”مستشفى الموت”. ويأتي هذا القرار بعد حسم إغلاق المستشفى، الذي لم يعد قادرا على مواكبة متطلبات الخدمات الصحية الحديثة، سواء من حيث البنية التحتية أو جودة التكفل بالمرضى.
في الظاهر، يبدو القرار خطوة قوية لتحديث العرض الصحي بجهة سوس ماسة. لكن في العمق، يطرح سؤالا مباشرا: هل نحن أمام إصلاح فعلي للمنظومة الصحية، أم فقط أمام استجابة متأخرة لضغط الشارع؟
المعطيات الرسمية تتحدث عن مشروع ضخم. فالمستشفى الجديد سيقام في الموقع نفسه، وسيتكون من أربعة طوابق، بطاقة استيعابية تتراوح بين 415 و450 سريرا. كما سيضم تجهيزات طبية متطورة، مع تعزيز خدمات المستعجلات وتطوير طب الأورام.
ورصدت الوزارة لهذا المشروع غلافا ماليا يناهز 1.1 مليار درهم. وهذه الأرقام تعكس إرادة واضحة لتحديث البنية الصحية في الجهة. لكنها تكشف أيضا حجم التأخر الذي راكمه هذا المرفق منذ سنوات طويلة، خاصة أن المستشفى يعود إلى سنة 1961.
المشكل لا يتعلق فقط بقدم البناية. المشكل الأعمق يرتبط بطريقة تدبير الزمن الصحي في المغرب. فحين يصل مرفق حيوي إلى درجة الإغلاق الكامل قبل إطلاق مشروع بديل، فهذا يعني أن التدخل جاء بعد الانهيار، لا قبله.
وهنا تظهر واحدة من أعقد مشاكل السياسات العمومية. فالدولة، في كثير من الحالات، لا تتدخل بمنطق الاستباق. بل تنتظر تفاقم الأزمة، ثم تتحرك تحت الضغط. وهذا ما يجعل الإصلاح يبدو دائما متأخرا، حتى حين يكون ضروريا ومهما.
خلال فترة الأشغال، وضعت الوزارة خطة لتوزيع المرضى على مؤسسات أخرى. وستتجه الحالات الاستعجالية والنساء الحوامل والحالات التي تتطلب الاستشفاء نحو المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير. كما ستستقبل “مصحة النهار” الاستشارات الطبية والفحوصات العادية بعد تجهيزها لهذا الغرض.
هذا الحل يبدو منطقيا على المدى القصير. لكنه يفتح في المقابل أسئلة عملية واضحة. هل تملك هذه المؤسسات القدرة الكافية على استيعاب الضغط الإضافي؟ وهل تستطيع الجهة ضمان استمرارية الخدمات بدون ارتباك أو اكتظاظ؟
هذه الأسئلة مشروعة، خاصة أن جهة سوس ماسة تعرف بدورها خصاصا في بعض الموارد الطبية والبنيات الصحية.
الأهم من البناية الجديدة هو ما سيرافقها من نموذج تدبير. فإعادة توزيع الأطر الصحية، رغم تأكيد الوزارة على الحفاظ على حقوقها، قد تخلق اختلالات مؤقتة داخل المنظومة الجهوية. كما أن المشكل في المغرب لا يرتبط بالبنيات وحدها، بل أيضا بالموارد البشرية، التي تظل محدودة وغير متكافئة التوزيع بين الجهات.
لهذا، فإن بناء مستشفى جديد لا يكفي وحده لضمان نقلة نوعية في الخدمات. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى حكامة صحية مختلفة. ويحتاج أيضا إلى صيانة مستمرة، وتخطيط استباقي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدالة مجالية في توزيع الخدمات.
في العمق، تكشف هذه الخطوة عن مفارقة واضحة. فالدولة تستثمر اليوم في مشروع صحي متطور، لكنها تفعل ذلك بعد أن فقد المرفق القديم وظيفته بالكامل. وهذا يعيد طرح سؤال الثقة: هل سيشكل هذا المشروع نقطة تحول حقيقية في جودة الخدمات الصحية؟ أم أنه سيعيد إنتاج الأعطاب نفسها بعد سنوات، إذا لم تتغير طريقة التدبير؟
في النهاية، يمكن اعتبار إعادة بناء مستشفى الحسن الثاني خطوة ضرورية. لكنها ليست كافية في حد ذاتها. لأن إصلاح الصحة لا يبدأ من الجدران فقط، بل من طريقة إدارة النظام الصحي نفسه. وما لم يتحقق هذا التحول، ستظل مشاريع التحديث تتأرجح بين الأمل وخطر العودة إلى نقطة الصفر.

