الهدم وإعادة الهيكلة… حين تختبر المدينة حدود العدالة الاجتماعية

في عدد من المدن المغربية، عادت عمليات الهدم وإعادة الهيكلة لتتصدر المشهد، في إطار برامج رسمية تهدف إلى تحسين النسيج الحضري، ومحاربة البناء غير القانوني، وإعادة تنظيم المجال العمراني. غير أن هذه العمليات، رغم وجاهة أهدافها على المستوى النظري، تطرح إشكالات حقيقية حين تصطدم بواقع اجتماعي معقد.
الملاحظة التي تتكرر في أكثر من مدينة هي أن بعض عمليات الهدم لم تعد تقتصر على الأحياء العشوائية الحديثة، بل امتدت في حالات معينة إلى بنايات قائمة منذ سنوات، بعضها مأهول منذ عقود، وهو ما يخلق شعورا عميقا بعدم الاستقرار لدى الساكنة. فالمواطن الذي بنى أو اقتنى سكنا في سياق معين، يجد نفسه فجأة أمام قرار إداري يضعه في مواجهة مصير غير واضح.
الإشكال هنا لا يكمن في مبدأ التنظيم العمراني في حد ذاته، بل في طريقة تنزيله. لأن التدخلات الحضرية حين تُنجز بشكل تقني صرف، دون مراعاة البعد الاجتماعي، تتحول من أداة للإصلاح إلى مصدر توتر. فغياب بدائل سكنية واضحة، أو تأخر التعويضات، أو غموض المساطر، كلها عوامل تغذي الإحساس بعدم الإنصاف.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الأحياء تحتاج فعلا إلى إعادة تأهيل، سواء بسبب الاكتظاظ أو هشاشة البنيات أو غياب شروط السلامة. لكن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن تحقيق هذا الهدف دون خلق ضحايا جدد لسياسات يفترض أنها إصلاحية؟
الجواب يمر بالضرورة عبر إشراك الساكنة في القرار، وتوفير رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الهدم، وضمان انتقال منظم نحو بدائل تحترم الكرامة الإنسانية. لأن إعادة الهيكلة لا تعني فقط إزالة البنايات، بل إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة.
كما أن هذه العمليات تطرح تحديا أكبر يتعلق بعدالة المجال الحضري. إذ لا يمكن أن تكون المدينة فضاءً للتحديث في جانب، وللهشاشة في جانب آخر. فالتنمية الحضرية الحقيقية هي التي توازن بين الجمالية والعدالة، بين الاستثمار والإنصاف.
في النهاية، المدينة ليست مجرد عمران، بل هي شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
وأي سياسة لا تأخذ هذا المعطى بعين الاعتبار، قد تنجح في تغيير المشهد… لكنها تفشل في تحقيق الاستقرار.
الرهان اليوم ليس فقط في بناء مدن حديثة،
بل في بناء مدن عادلة يشعر فيها المواطن أنه جزء من المشروع، لا ضحية له.

