أسماء شوارع الرباط… ذاكرة بلا معنى أم فرصة ضائعة للدبلوماسية الثقافية؟

في مدينة بحجم الرباط، التي تُقدَّم كعاصمة ثقافية وسياسية، لا تبدو أسماء الشوارع مجرد تفاصيل عابرة. هي، في العمق، جزء من الذاكرة الجماعية، ومن الصورة التي تقدمها المدينة عن نفسها، ليس فقط لسكانها، بل أيضا لزوارها وللعالم. ومع ذلك، يبدو أن هذا الجانب يُدار في كثير من الأحيان بمنطق إداري بارد، لا يعكس لا قيمة الرمزية ولا الإمكانيات التي يمكن أن تفتحها هذه التسميات.
المفارقة التي يثيرها النقاش حول تسمية الشوارع في الرباط هي أن المدينة تتوفر على رصيد غني من الأسماء المرتبطة بدول وعواصم وشخصيات تاريخية، لكن هذا الرصيد يظل معلقا في الفراغ، بلا سياق ولا توظيف. شوارع تحمل أسماء مدن إفريقية وآسيوية وأوروبية، لكن دون أي جهد للتواصل مع تلك المدن أو استثمار هذا المعطى في بناء جسور حقيقية. وكأن الأمر مجرد اختيار عشوائي أو تقليد إداري لا أكثر.
هنا يطرح السؤال نفسه: ما الجدوى من تسمية شارع باسم مدينة أو دولة إذا كان سكان تلك المدينة نفسها لا يعلمون بذلك؟ وهل تتحول هذه المبادرة، التي يمكن أن تكون مدخلا للدبلوماسية الثقافية، إلى مجرد لافتة معلقة على جدار؟
في تجارب دولية كثيرة، تسمية الشوارع ليست عملا تقنيا، بل قرارا يحمل رسالة. حين تُسمى ساحة باسم مدينة أجنبية، غالبا ما يرافق ذلك اتفاق توأمة، أو برنامج تبادل ثقافي، أو على الأقل تواصل رمزي يعكس علاقة قائمة أو مراد بناؤها. أما حين تبقى التسمية معزولة، فإنها تفقد جزءا كبيرا من معناها.
الأمر لا يقف عند هذا الحد. فطريقة عرض هذه الأسماء بدورها تطرح إشكالا. لوحات متواضعة، أحيانا بأخطاء لغوية أو ترجمات غير دقيقة، وأحيانا دون أي عناية بالشكل أو الإخراج. وهذا يطرح سؤالا آخر: كيف يمكن لمدينة تصف نفسها بالعاصمة الثقافية أن لا تعكس هذه المكانة حتى في أبسط تفاصيلها البصرية؟
اللوحة التي تحمل اسم شارع ليست مجرد إشارة طريق، بل عنصر من عناصر الهوية الحضرية. حين تكون مهملة أو مكتوبة بشكل غير دقيق، فإنها لا تسيء فقط إلى الاسم المكتوب، بل إلى المدينة نفسها. خصوصا عندما يتعلق الأمر بأسماء شخصيات تاريخية أو دول لها رمزية معينة.
في هذا السياق، يبدو أن هناك فجوة واضحة بين ما ينص عليه القانون الجماعي، الذي يمنح المجلس صلاحية التداول في تسمية الطرقات، وبين الممارسة الفعلية. لأن الصلاحية وحدها لا تكفي، ما لم تُواكب برؤية ثقافية واضحة، وبحس جمالي، وبفهم لدور هذه التسميات في بناء صورة المدينة.
الأكثر إثارة هو أن جماعة الرباط تتوفر، نظريا، على أدوات يمكن أن تجعل من هذا الملف رافعة حقيقية: قسم للعلاقات الدولية، لجنة ثقافية، وإمكانيات لوجستيكية وبشرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يتم استثمار هذا “الرأسمال الرمزي”؟ لماذا لا تتحول أسماء الشوارع إلى مدخل لتعزيز علاقات المدينة مع محيطها الإفريقي والدولي؟
الإجابة قد تكون بسيطة ومقلقة في الوقت نفسه: لأن هذا الملف لا يُنظر إليه كأولوية. يتم التعامل معه كجزء هامشي من التدبير الجماعي، رغم أنه يحمل إمكانيات كبيرة على مستوى الصورة والرمزية والدبلوماسية.
لكن في العمق، المسألة أعمق من مجرد لوحات أو أسماء. إنها تعكس طريقة التفكير في المدينة نفسها. هل نراها مجرد فضاء يُدار بالحد الأدنى من التنظيم، أم ككيان حي يحتاج إلى عناية في تفاصيله الصغيرة قبل مشاريعه الكبرى؟
الرباط اليوم أمام فرصة سهلة نسبيا لإصلاح هذا الخلل. لا يحتاج الأمر إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى رؤية:
مراجعة شاملة لتسميات الشوارع،
تصحيح الأخطاء اللغوية،
تحسين جودة اللوحات،
وربط هذه التسميات بمبادرات ثقافية ودبلوماسية حقيقية.
لأن المدينة التي تهتم بتفاصيلها الصغيرة، هي نفسها التي تنجح في مشاريعها الكبرى.
في النهاية، قد يبدو موضوع أسماء الشوارع بسيطا، لكنه في الحقيقة مرآة تعكس علاقة المدينة بذاكرتها وبصورتها وبالعالم من حولها.
والسؤال الذي يبقى معلقا:
هل ستظل هذه الأسماء مجرد حروف على الجدران…
أم تتحول إلى لغة حية تروي قصة الرباط للعالم؟

