حين تتحول الطاقة إلى سلاح: الشرق الأوسط يدخل أخطر مراحل الصراع

المدينة العربية: جهان بن جلون _وكالات
لم يعد التصعيد في الشرق الأوسط يُقاس بعدد الصواريخ أو اتساع رقعة الاشتباك فقط، بل بطبيعة الأهداف نفسها. فمع دخول منشآت الغاز والطاقة ضمن بنك الضربات، يبدو أن المنطقة انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث لم تعد الحرب تقتصر على الجيوش، بل أصبحت تمس شرايين الاقتصاد العالمي.
استهداف حقل “بارس” الجنوبي في إيران، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، يقابله ضرب منشآت في رأس لفان بقطر، وهي من أهم مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على أن الصراع دخل مستوى جديداً: استهداف القدرة على الإنتاج، وليس فقط القدرة على القتال.
في هذا السياق، تتحول الطاقة من مورد اقتصادي إلى أداة ضغط استراتيجي. فكل ضربة لا تُقاس فقط بأثرها العسكري المباشر، بل بتداعياتها على الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، وسلاسل التوريد. وهنا، يتجاوز الصراع حدوده الإقليمية، ليصبح قضية دولية بامتياز، تمس أوروبا وآسيا وكل الدول المعتمدة على واردات الطاقة.
التصعيد المتبادل بين إيران وإسرائيل، وتوسّع العمليات ليشمل قواعد أميركية وأهدافاً حيوية، يعكس تآكل قواعد الاشتباك التقليدية. لم تعد هناك خطوط حمراء واضحة كما في السابق، بل هناك إعادة رسم مستمرة لهذه الخطوط، وفق منطق الردع والرد المضاد. وهذا ما يجعل كل خطوة قابلة لأن تتحول إلى نقطة انفجار أوسع.
سياسياً، تتعمق الهوة بين الفاعلين الإقليميين. إعلان السعودية فقدان الثقة في إيران، وتلويح واشنطن برد محتمل، يكشفان عن تصدع متزايد في التوازنات الإقليمية. في المقابل، يبدو أن جميع الأطراف تدرك أن الانزلاق إلى حرب شاملة سيكون مكلفاً للجميع، لكنها في الوقت نفسه تستمر في رفع سقف التصعيد.
على الأرض، لا يقتصر تأثير هذا التصعيد على البنية التحتية أو المعادلات العسكرية، بل يمتد إلى المجتمعات نفسها. من لبنان إلى الداخل الإسرائيلي، تتزايد الخسائر البشرية، وتتوسع رقعة القلق، في وقت تصبح فيه الحياة اليومية رهينة لتطورات لا يمكن التنبؤ بها.
ما يجعل هذه المرحلة أكثر تعقيداً هو تداخل المستويات: عسكري، اقتصادي، سياسي، وطاقي. لم تعد الحرب مجرد مواجهة مباشرة، بل شبكة من الضغوط المتبادلة، حيث يمكن لضربة واحدة في منشأة غاز أن تُحدث ارتدادات عالمية، قد تفوق في تأثيرها نتائج معركة ميدانية كاملة.
في العمق، يبدو أن المنطقة دخلت ما يمكن تسميته بـ”حرب البنى الحيوية”، حيث تصبح المنشآت الاستراتيجية أهدافاً مشروعة، وتتحول الجغرافيا الاقتصادية إلى ساحة صراع مفتوحة. وهذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً: هل ما زال بالإمكان احتواء التصعيد، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة تُكسر فيها كل الضوابط؟
الجواب، حتى الآن، غير واضح. لكن المؤكد أن إدخال الطاقة في معادلة الصراع يرفع كلفته إلى مستويات غير مسبوقة، ويجعل من أي تصعيد محدود خطوة قد تقود إلى أزمة عالمية أوسع.
لأن الحرب، حين تصل إلى منابع الطاقة…
لا تعود محلية أبداً.

